‫الرئيسية‬ مقالات صناعة مفاهيم صناعة الفقر
مقالات - مارس 17, 2016

صناعة مفاهيم صناعة الفقر

استعاذ الرسول محمد عليه الصلاة والسلام من الفقر في عدة مواضع؛ فالفقر أحد الأمور المدمرة في حياة المجتمع؛ فهو يكبل المجتمع ويدمر قدرات قطاعا واسعا من أفراده بل ويصنع حالة من الصدام بين طبقاته تصل في معظم الأحيان إلى الاستغلال الكامل للفقراء؛ وربما تصل إلى الصدام الشامل إذا توفرت البيئة المناسبة لذلك، وإذا كان اختلاف قدرات البشر وبالتبعية ما يمكنهم الحصول عليه من ثروات متفاوتا؛ إلا أنه من الضروري أن يناضل الجميع من أجل القضاء على الفقر ووصوله إلى حده الأدنى أو إنهاءه تماما إذا استطاع المجتمع ذلك.

وفي النموذج الإسلامي لبناء السلطة الممتد لألف عام و يزيد عدة أدوات لتقليل الفقر وتقليل حدة استغلال أصحاب الثروة لباقي المجتمع؛ ومن هذه الأدوات الزكاة والأوقاف و تقليل الملفات التي تديرها رأس السلطة إلى حدها الأدنى. وكل هذه الأدوات تقلل من تكدس الثروة في قمة الهرم الاجتماعي وتضمن الحد الأدنى الكريم للمجتمع؛ فلا معنى ولا مستقبل لمجتمع يعاني غالبية أفراده من الجوع أو فقدان القدرة على إيجاد المسكن المناسب وعدم القدرة على التعلم. وهذا النموذج قادر على تقليل حدة التوتر الناتج عن الفقر وقادر على إخراج طاقات المجتمع بعيدا عن البحث الدائم والصراع المستمر حول أساسيات الحياة.

وروى الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به.” هذا الحديث من الأحاديث المؤسسة للتكافل المجتمعي الكامل وهو أكثر اتساعا من معناه المباشر؛ فهو يؤطر لحالة من التكافل الاجتماعي الشامل على كل المستويات وهو يشير إلى حق كل أفراد المجتمع في الحد الأدنى من الحياة الكريمة في المأكل والمسكن؛ وأيضا يحمل المجتمع كله بكل أفراده وتنظيماته المسئولية الأخلاقية والمادية بسبب وجود الفقر داخل المجتمع الذي يصل إلى درجة الجوع.

وهذا النموذج معاد تماما للرأسمالية بمفهومها الاستغلالي الطفيلي؛ فهدفها بقاء الغالبية تحت سيطرة الثروة وأن تفقد قدرتها على الإبداع وأن تقضي عمرها كله بحثا عن الطعام والمسكن وتنفق دماءها وأعمارها لتراكم الثروة عند “النخب” وتبقى دائما لاهثة وراء صراع لا ينتهي مع الوقت والعمر لبقائها على قيد الحياة.

والآن نعيش أجواء أخرى من تطوير الاستغلال وجعله أخلاقيا بل ومدعاة للفخر عند الفقراء، فهناك حكايات كثيرة تبث داخل المجتمع عن أناس شديدة الفقر لا تجد قوت يومها ولكنها لسبب مجهول ترفض طعاما أو مالا لتقيم رمقها وللأسف تجعل تلك الحكايات ذلك مدعاة للفخر؛ تجد تلك الحكايات تمجد هذا الفقير الذي يقبل بفقره وجوعه ومعاناته؛ بل ووعليه أن يشعر أن هذا الفقر حالة قدرية لا فكاك منها وهي إرادة الله النافذة وعليه قبولها بل والمحافظة عليها، ليس ذلك فقط بل عليه أن يلتزم “بالنظام” الذي يحافظ على هذا الوضع وعليه أن يستمر بكل فخر في بيع عمره بل ودماءه من أجل الحفاظ على هذا الفقر.

إن الفقر شر كبير استعاذ منه رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ وهو لن يكون أبدا شيئا جيدا؛ والطعام حق للجميع وليس مدعاة للفخر أن ترفض طعاما أو مالا من أجل الطعام؛ بل هو حق لكل فرد بالمجتمع. وقد استطاعت آلات صناعة العقول تشويه الحقيقة وأصبح الحق مدعاة للخجل والعار وأصبح الظلم مدعاة للفخر.

قد أفهم ذلك التمسك من “النخبة” التي تترابط مصالحها مع هذا النموذج وهي التي اقتنعت بجدوى سحق الجميع لصناعة تراكم الثروة التي أصبحت الآن تتحرك في اتجاه واحد فقط من أسفل إلى أعلى ، ولكن الغريب أن يشارك المنتهكون من الفقراء فقرا مدقعا أو حتى الذين يضيعون أعمارهم لصناعة الثروة للآخرين في هذه المأساة.

يقول ابن حزم في كتابة المُحلَّى: “أنه إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل” ويضيف بأن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره “فإن قُتِل -أي الجائع- فعلى قاتله القصاص، وإن قُتِل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية”. وكما ورد في الأثر -مع ضعف السند- عن أبي ذر الغفاري قوله “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرا سيفه”.

إذا فالفقر المدقع والجوع ليس شيئا قدريا حتميا ولكنه ناتج من حالة من نشر وعي زائف بأنه قدر لا فكاك منه والقدر منه براء.

كما ذكرت في البداية أن الاختلاف في الأرزاق والثروة أمر حتمي منطقي ولكن المجتمع كله مجبر على توفير الحد الأدنى من الحياة لكل أفراده؛ وعلى الفقراء والجوعى والبائسين الذين يملأون مصر وغيرها أن يدركوا أولا أن الفقر ليس إلا ناتجا من استسلامهم للفسدة واللصوص؛ وأن الحد الأدنى للوعي أن يعلموا أن حقوقهم هناك عند شخص أو أشخاص يستمتعون بتراكم الثروة الناتجة من حالة استغلال كبرى يعيش المجتمع بها ما أنزل الله بها من سلطان.

“الفقر لا يصنع ثورة وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة.. الطاغية مهمته أن يجعلك فقيرا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبا.” كارل ماركس

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …