‫الرئيسية‬ مقالات حين اشتكى القاضي من شدة الظلم
مقالات - فبراير 1, 2016

حين اشتكى القاضي من شدة الظلم

 

يشتكي الناس عادة من ظلم من يحكمونهم، ومن ظلم قضاة يقفون بين يديهم، لكن مصر تعرف الآن قضاة يشتكون من شدة الظلم الذي حاق بهم على أيدي من هم في السلطة.

جاءت استقالة القاضي محمد السحيمي التي أرسلها إلى المجلس الأعلى للقضاة، لتزلزل أركان العدالة في مصر.

كتب الرجل كلمات بليغة تضج بالألم جاء فيها:

“السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى، أما بعد، وضعتم على صدورنا وشاح شرف العدل، وقد أقسمنا على إقامته بين الناس أساسا للملك، وتلك مسؤولية تحملتها، وأنا مدفوع بعزم أستمده من انتمائي إليكم، وهو يبعث على الفخر، وانتماء آخر أحمل له في نفسي تقديرا عميقا، إذ فارقته ليلقى ربه، وهو والدي الذي أفنى من عمره 50 عاما بينكم.

كان والدي ربا لبيت من بيوت القضاة، يقوم عليهم خادما وسيدا، لأن العدل أمانة السماء، فإن أهل الأرض جميعهم مؤتمنون، عليهم أن يؤدوه فيما بينهم، لا تثريب على من لم يقدر، فقلة الحيال لا تنال من شرف الرجال، وإنما يهجر الأنبياء أرضهم إذا اشتدت يد الشرك.

وإني هنا لا أشكو ضعف قوتي أو هواني على وزير العدل، فإن قدر على ظلمي وما خشي أن تحيط به ظلمات يوم القيامة؛ فإن لمثلي رب يرده، فإن أمهله في دنياه هذه، فإنه لن يمهله في يوم موقف عظيم.

كان الوزير في يوم صوتا للقضاة ورئيسا لناديهم، وقد عارضته في ملأه أشد معارضة، فأسرّها في نفسه حتى إذ اعتلى وزارته عاود الخصومة من ديوانها، فأضحى صوتنا سوطا علينا، فنبهني تنبيها يوقفني عن ترقية، ثم أقصاني إلى الجنوب، حيث محكمة قنا، ليترصدني بأعباء العمل، فوزعه بين رفاقي من القضاة بغير عدل، حتى أصبح المنظور لدي من دعاوى الجنح يفوق في اليوم ألفا، وربت الدعاوى المدنية فجاوزت الثلاثمائة وخمسين، فهل أكذب بعد كل هذا أن يتعجلوا خلاصا مني. بل أصدق أن الوزير منتقم غير ذي عفو، وإني لأعاجل عنقي بذبح قبل أن ينالها بطعنة موتور.

شيخ القضاة الأكبر :

إن القاضي الجزئي في محكمة قنا، لا قبل له بوزير العدل، ولا يملك سوى نفسه، ويملك الوزير نفوس رجال، غير أن مثله “القاضي المستقيل” إذا تم إكراهه على الأمر ما وسعه البقاء فيه”.

شيخ القضاة الأكبر :

إذا كان الوزير لا يحفظ عهد أبي -وقد رافقه لسنوات يعبران عن ضمير القضاء في أحلك ما مرت به بلادنا- فهانت عنده عظامه إذ بلت -وإني من تلك العظام دما من دم- فإنكم حفاظون للعهود، أوفياء لها، لا تضيعون أصلاب رجالكم، فما لمتجبر من سلطان عندكم، إذا أغثتم الملهوف فصار ذا بأس، فإن بلغكم كتابي هذا عند مجلسكم فردوه، وما تردون إلا نفسي إلي.

أما إذا بلغكم وقد رضيتم، فتلك استقالتي أرفعها إليكم، وما يرفع النفوس سوى عز بأهله، فاقبلوها وإني لكم من الشاكرين، فستذكرون ما أقول، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

القاضي محمد عبد المنعم السحيمي، الرئيس في محكمة قنا الابتدائية”.

الجدير بالذكر، أن وزير العدل أحمد الزند الذي يشتكي منه هذا القاضي، قال في تصريح خطير منذ أيام: “أنا شخصيا لن تنطفئ النار التي في قلبي إلا إذا تم قتل مقابل كل شهيد من القوات المسلحة عشرة آلاف من الإخوان، ومن يعاونهم ويحبهم”.

لم ير أحد بهذه التصريحات تحريضا على عنف، ولا دعوة لقتل خارج إطار القانون، ولا بثا للكراهية، وخلق حرب أهلية بين المصريين.

الرجل المنوط به إقامة العدل والاطمئنان على تنفيذ القانون، يدعو بكل وضوح للقتل وسفك الدماء، طبقا لهواه السياسي، كيف نتحدث بعد ذلك عن العدل؟

بلغت المظالم في مصر حدودا غير مسبوقة تعبر بجلاء عن الاستقواء على الناس، وممارسة أقصى درجات التكبر والبطش، من ثلة صارت تعتقد بأن الناس في درجة أقل منهم، يباح لهم إذلالهم وقهرهم بهذه الطريقة.

تقطعت قلوب أصحاب الضمائر وهم يرون الأطباء في مستشفى (المطرية الحكومي) شرق القاهرة، يتطاول عليهم أمناء شرطة، ويعتدون عليهم بالضرب، ثم السحل، وعندما ذهب الأطباء للنيابة لتسترد لهم حقهم، فوجئوا بالنيابة تقول لهم: “إن أمناء الشرطة قاموا بتحرير محضر مضاد، يتهمونكم فيه بضربهم وإصابتهم بإصابات بالغة وكسور، وإذا أصررتم على الاستمرار في شكواكم فسوف نقوم بحبسكم”!

واضطر الطبيبان للتنازل عن الشكوى، خوفا من الحبس في مكان وصفه أحدهم في تصريح لأحد الصحف، قائلا: “لو اتحبسنا، هنبقى في قسم شرطة مش عارفين هندخل فيه ونخرج منه أحياء ولا لأ”.

في اتجاه آخر، ما زالت عشرات الألوف من بيوت المصريين تفتقد عائلها الذي أضحى سجينا خلف القضبان بلا ذنب، سوى أن له موقفا سياسيا وأن له آراءه وأفكاره.

الأعداد في السجون لا تقل، بل تزداد يوما بعد يوم، حتى احتاجت السلطة لبناء سجون جديدة، وصار الوطن يشبه السجن الكبير.

يتعاملون مع الوطن كأنه حظيرة، يحبسون فيها ماشيتهم ويقيدون حريتها، يعتقدون بأن الأرض دانت لهم ولن تميد، لكن سنن الكون التي يتغافلون عنها تنبئ بأن لكل ظلم نهاية، وأن الظالمين يأتيهم موعدهم بغتة وهم لا يشعرون.

نثق في الله وعدله، إن غدا لناظره قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …