‫الرئيسية‬ مقالات الغوا اتفاقية كامب ديفيد تنتهي أزمة سيناء
مقالات - نوفمبر 13, 2014

الغوا اتفاقية كامب ديفيد تنتهي أزمة سيناء

ليس غريبا على الإطلاق السير على نمطٍ لا يشوبهُ العوج، ولا يكتنفهُ الغموض، بيد أن الأشقَّ على عالم اليوم قاطبةً هو الحفاظ على خطٍ رفيع بين الممكن والمستحيل، والمتاح والعصيّ.. ذلك أن المبادئ التي تحكمُ تفكيرنا ربما اعتراها طائفُ من التفسّخ، حتى بات الاحتكام إلى منطقية الأحداث أمرا غاية في التفكك والإمحاء، ولسان الحال لا ينفك عن استذكار عنوان رواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن المفقود”، وريثما يحل عالمُ أكثر عدلا نجد أن سيل الأحداث ينبجسُ من فرجة حجرين ينتميان إلى جبل واحد، ولا مسرب يشذ عن لون الصخر الذي شكل الجبل قبل عصور انبرت قبل هذا.

ما فعلهُ الجيش المصري من قصفٍ ومداهمة و”أمننة” شبه كاملة لمشكلة سيناء، يعيدنا دائما وأبدا إلى النظر خلف الكلمة المفتاحية (الإرهاب)، كونها مبررا ناجحا وآمنا لممارسة سياسات انتقامية، غالبا ما تهدف إلى هيمنة الغرب عن الرواية الفلسطينية، وتساهم في ذات الوقت في إضعاف الدور المصري، والإمعان في إجراءات تقاليد الجنائز على وجه السرعة، من إسنادٍ فوري للحقوق المادية للورثة.

فلا مناص من أن الرئيس المصري السيد عبد الفتاح السيسي قد تنازل عن عرش مصر ودبلوماسيّتها العتيدة لصالح السعودية؛ لقاء الاعتراف والمماهاة السياسية، فضلا عن الإمارات التي سعت إلى حجب الرؤية المصرية في قادم السياسات، قد شطرت فعلا إجماعا مصريا شعبيا في ضرورة العودة إلى دور مصري بات ينحو إلى التبدد شيئا فشيئا.

لا شك في أن من حق مصر الاقتصاص من الإرهابيين، ولكن هل توقّف الأمر على قصاصٍ مثقوب أم تعدّى إلى انتقامٍ ممنهجٍ ممّن كان يطلق عليه الإعلام المصري “بدو سيناء؟”.

لا أحد ينكر أن أهل سيناء قد ساقتهم الأقدار كي يكونوا بيان تحليليا لثمار اتفاقية كامب ديفيد المذلة، غير شق المعونة الملتبسْ، التي يصادفها لغويا ما يطلقُ على خاطرة رديئة بشعر مطبوعٍ، لسببين اثنين: أحدهما يتعلّق بالمقابل السيادي تترجمه “قوات متعددة الجنسيات عددها يتجاوز 2000 جندي على هيئة المراقب من باب التخفيف من حدّة المسمى”، تقودها الولايات المتحدة في ثلاث مناطق (منطقة الكورة في الشرق، منطقة نويبع في الغرب، منطقة جزيرة تيران التي تحوي مضيقا هاما يفصل خليج العقبة عن البحر الأحمر)، والثاني ينصرف إلى ميزانية هذه القوات التي تفوق 65 مليون دولار، يؤكد مراقبون أن مصر تدفع نصفها.

هذا الأمر يدفعنا إلى تقصي عوارين دستوريين، أحدهما يتعلق بالقانون الدستوري المصري، يستند إلى أن عناصر السيادة المصرية مختلة لصالح سياسة نفعية برواية الدولة المصرية، رغم أن الدستور يتصف بالسمو، علاوةً على أن رقابته منوطة بها، إلغاء المعاهدات التي تكون مصر طرفا فيها وتمس جوهر المواد التي تمثل عناصر ثابتة في مفهوم السيادة المصرية ولا يلحقها أي تعديل على الإطلاق.

العوار الثاني: يتعلّق بالقانون الدولي الذي يقضي بأنه لا يمكن لدولة منزوعة السيادة أن تتبوأ مقعدا دوليا فاصلا وحازما.

هذا كله.. ولم يزل هنالك غموض يكتنف تلك المعاهدة، إذ أن الكاتب السياسي المصري محمد حسنين هيكل كان قد كتب ذات يوم أن هنالك بنودا في اتفاقية كامب ديفيد لا تزال سرية ولم يتم التصريح بها.. والعهدة على الراوي كما يقال.

ومهما يكن من أمر، فإن أهالي سيناء قد شكلوا كتيبةً مسلحة سموّها “كتيبة أبناء سيناء” هدفها الأساس- فيما نقلته جريدة الأخبار اللبنانية- مواجهة تنظيم “بيت المقدس”، ورغمَ ما تلا ذلك من حملة منظمة تسعى إلى التشكيك في نية هذا التنظيم، ومدى فاعليته في مواجهة “بيت المقدس”، بما يترافق من شكوك سياسية عادةً ما تتساوق مع أي تنظيم مسلح في منطقة حرة، لكن ذلك ليس مشّكلة في حدّ ذاته بقدر ما هو نتاج حقيقي لسياسات نظامية سعت إلى تهميش أهل سيناء ووصمهم بـ”البدو”، حيث إن القليل من أبناء مصر يعرفون نمط الحياة في سيناء، وكيف لهم أن يعرفوا إذا كانت القوات النظامية بحاجة إلى إذن “أمريكي/ إسرائيلي” للدخول إلى تلك المناطق، في ظل مركزية الإعلام على ما يخص القاهرة وضواحيها فحسب!.

والحال أن السياسة التي يفترض أن تحمل قدرا يسيرا من الإنسانية والمبادئ النضالية، التي افتتحنا بها موضوع التعليق على الحدث، تفرض ولو جزءًا يسيرا من أخذ المقاومة الفلسطينية بعين الاعتبار، ذلك أن أهل سيناء كانوا يشكلون رافدا حيويا لمد المقاومة بالسلاح، سواء بالتعاون النضالي تأسيسا على مبدأ أصبح جرما في الخيال السياسي المصري الحالي، أو بالبيع والشراء بما يحقّق مكسبا ماديا للأهالي.

صحيح أن للجيش المصري الحق كاملا في ملاحقة الإرهابيين وتعقبهم، ولكن هل لهُ الحق في تدمير بيوت الأهالي، بعد أن نجحَ ذلك الجيش في نقل العنصرية التي تكبدها أهل سيناء في عهد مبارك من حالة صلبة إلى حالة سائلة قائمة على الاجتثاث في عهد السيسي؟. ومن الطبيعي أن تتخلّق بؤر كـ”ردّ فعل” يفتقد إلى الفرملة، تعتبرهُ شوفينة مصرية مستحدثة قادمة من فلسطين على وجه الحصر والتحديد.

أخبرنا التاريخ أن منطق القوة سوف يساهم في انتشار تلك الخلايا أكثر من تقليم تواجدها المتكاثر، إذ أن الشعور بالانتقام قد يؤسس إلى نزعة حادة للغاية في الثأر والدفع إلى المزيد من ردّات الفعل التي لن تكون بالضرورة محسوبةً أو مقنّنة بميزان العقل على أقل تقدير.

وذلك ما لا نرجوه لجيش طبع تاريخه القريب تحطيم أسطورة “خط برليف الإسرائيلي” في حرب أكتوبر لا يمكن بناءً على مماثلة تاريخية نزيهة أن يتورطَ في تبني رواية العدو عن فلسطين.

* كاتب عربي من الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …