‫الرئيسية‬ مقالات الأقصى.. فتيلُ ثورة ستنتصر
مقالات - نوفمبر 5, 2014

الأقصى.. فتيلُ ثورة ستنتصر

مرحلة استثنائية تلك التي تمرُّ بها القضية الفلسطينية، اليوم، ومرحلة بالغة التعقيد تلك التي تمرُّ بها الأمَّة العربية والإسلامية، ولعلنا لسنا بحاجة إلى الإشارة إلى أن فلسطين هي جزء من أمّتها، وأنها تتأثر بما يصيب الأمَّة سلبا وإيجابا، ولكنَّ القدس عاصمة فلسطين، وفي القلب منها المسجد الأقصى المبارك، سيظل بوصلةَ أمَّة وعلامة انتماء وعنوان وطن، ودليلا لا يخطئ في لُجَّة الأحداث وتلاطم التطورات السياسية فلسطينيا وعربيا ودوليا، ومن سنة التاريخ الفلسطيني أن يكون المسجد الأقصى هو العنوان الجامع الذي تلتقي في رحابه كل الإرادات الوطنية الفلسطينية، وأستطيع القول إنَّ القدس والوحدة الوطنية وجهان للنضال الفلسطيني الذي سيتوج بالانتصار.
تكرّرت الاقتحامات الصهيونية للمسجد الأقصى المبارك في الآونة الأخيرة، ولم يغب عن المشهد الخلفي للخبر ذكر التقسيم المكاني والزماني للمسجد الأقصى، في ظل هجمةٍ استيطانية مسعورة وغير مسبوقة بحقّ أرضنا الفلسطينية، وكأنّ العدو الصهيوني يريد سرقة ما يستطيع سرقته من أرضنا وزيتوننا ودمنا وحقوقنا، ليجلس مرتاحا بانتظار مفاوض قد يأتي بعد حين، ثمَّ يطلب العدو مكسبا سياسيا مقابل رد بعض الفتات ممّا سرقه!.
كثيرة هي الظروف الصعبة التي استغلتها دولة الاحتلال بخبثٍ شديدٍ لتوسيع تغوّلها ضد شعبنا ومقدّساتنا، ولا شكّ أنَّ الظرف العربي الصعب والمعقّد هو في مقدمّة العوامل التي جرّأت الكيان على هذا التغوّل.
بعد العملية المباركة التي نفّذها الشهيد البطل معتز حجازي، أقدمت سلطات الاحتلال على تصعيد خطير للغاية، وهو إغلاق المسجد الأقصى، فجر الخميس الماضي، بشكل كامل، ولكنّ التصعيد والاحتقان الشعبي لم يبدأ من هنا فقط، ومعتز لم يقدم على عمله الفدائي هذا من فراغ.
 كما أنَّ هناك محاولات صهيونية متواصلة ومتصاعدة تستهدف أهل القدس لاجتثاثهم من بيوتهم ومساكنهم وإبعادهم قسرا عن مدينتهم، عبر التضييق والحصار والتحريض ومصادرة  هويات المقدسيين، ممّا ينذر بتداعيات خطيرة ستنقلب على رأس مدبريها من قادة الاحتلال، وعلى رأسهم المجرم نتنياهو، الذي طالب أجهزته الأمنية باتخاذ أقصى درجات القمع والعنف ضد أهل القدس والمرابطين، وضد التحرّك الجماهيري والهبّة الشعبية، التي انطلقت في عدد من أحياء مدينة القدس ردّا على استمرار الانتهاكات ضد المسجد الأقصى المبارك، الأمر الذي دبّ الرعب والخوف في نفوسهم من قرب اشتعال فتيل انتفاضة ثالثة من قلب القدس والأقصى.
إنَّ الأطماع الاستيطانية التي يؤسّس لها الاحتلال في مدينة القدس المحتلة على وجه التحديد لم تتوقف، وهي في استمرار وباتت تستعر يوما بعد يوم، فلجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقول، إنَّ الاستيطان تضاعف في السنوات الأربع الأخيرة، وفي ذلك أقر عضو اللجنة “سيز فلينترمان”، بمؤتمر صحفي عقده قبل أيام قليلة، بالمعاناة التي تصيب الفلسطينيين وأصحاب الأملاك في الضفة الغربية والقدس بشكل خاص.
أهل الرّباط وشدّ الرّحال إلى المسجد الأقصى المبارك واعون للدور المنوط بهم من خلال التصدّي لمحاولات الاحتلال ومغتصبيه المستمرة في فرض واقع جديد داخل الأقصى وباحاته، ومن خلال ثباتهم على أرضهم وممتلكاتهم وعدم التفريط فيها، والهبّة الجماهيرية التي تمتد إلى شوارع الضفة الغربية المحتلة وفي القلب منها الخليل ونابلس، وإلى شوارع غزّة التي لم تضمّد جراحها بعد، أثبتت أنَّ شعبنا العظيم صار مالكا زمام مبادرة النضال، يشعل الحراك الثوري كلّما سنحت له فرصة، وأنّه راكم على الانتصار التاريخي الذي حققته المقاومة الفلسطينية عسكريا في “العصف المأكول”، وقبلها في حرب “حجارة السجيل”، وحرب “الفرقان”، والانتفاضة الأولى “انتفاضة الحجارة”، و”انتفاضة الأقصى”، وغيرها من محطات النضال الوطني، وأنَّ الوعي الجمعي الفلسطيني لم يعد يحتمل قبول المذلّة على أي صعيد.
وهنا أريد أن أشير إلى أنّ هذه الانتهاكات الخطيرة التي تكلمت عنها اللجان الأممية، وقعت بحقّ شعبنا نحن، بحقّ الشعب الذي ينتمي إليه معتز، بحق الأرض التي لا يزال المسجد الأقصى صامدا على ترابها، فهل يُلام المظلوم بعد ذلك إن هو وضع على جنبه سيفا ليمنع الظالم من الإقدام على جُرمه؟!.
شعبنا الفلسطيني اليوم، وفي طليعته فصائله المقاومة، مطالبة برصّ الصفوف والوحدة أكثر من أيّ وقت مضى، وهذا ما بدا عندما توحّدت دعوات التظاهر احتجاجا على العربدة الصهيونية، وهذه بداية، والمطلوب هو تكريس هذه الوحدة، وتتويج هذه الخطوة لن يكون إلاّ بإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية وجعلها إطارا وطنيا جامعا وحاضنا للمشروع الوطني الفلسطيني، الذي يجب أن يعاد بناؤه وفقا لاستراتيجية جديدة وشاملة ومتفق عليها.. ووقف عملية المماطلة وإضاعة الوقت التي يمارسها أولئك المهيمنون على المنظمة ويضعون مفاتيحها في جيوبهم، في محاولة منهم لمواصلة الانفراد والاستحواذ عليها.
مطلوب من السلطة الفلسطينية ابتداءً أن ترفع قبضتها الأمنية عن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، والسماح له بالتظاهر وتصعيد الفعاليات الجماهيرية والشعبية في وجه الاحتلال نصرةً للأقصى وللقضايا الوطنية كافة، تلك القضايا التي من المفترض أن تتبنّى السلطة ذاتها مبدأ الدفاع عنها، وحشد طاقات الشعب وتوجيهه وتعبئته لنصرتها، بدلا من تكميم الأفواه وملاحقة المقاومين ومنع الجماهير الغاضبة.
مطلوب من السلطة وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال بعد هذه الهجمة المسعورة على الأقصى، وترك جماهير شعبنا الغاضبة تواجه الاحتلال وجها لوجه، لتشعل انتفاضة القدس والأقصى، ووقف التباهي بمنع اندلاع انتفاضة جديدة، فهذه المواقف لا تبعث على التباهي بقدر ما تبعث على الْخِزْي.  
مواقف السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية والإسلامية ما زالت ضعيفة وهزيلة جدا ولا تتناسب مع خطورة ما يتعرض له الأقصى، والأمر يتطلب تحركا فلسطينيا وعربيا وإسلاميا واسعا، وتسخير كل الطاقات والإمكانات للدفاع عن الأقصى، وطرح القضية بكل جدية وقوة على كل المحافل الدولية، وممارسة ضغوط على العدو من خلال حلفائه في أوروبا وأمريكا، وتركيز الإعلام على الأقصى وما يتهدده، ألا يستحق الأقصى أن تعقد له قمة عربية وقمة إسلامية للتباحث في سبل الرد على العدوان الصهيوني؟ وهو الذي كان العنوان الذي لأجله أسست منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي) بعد جريمة إحراقه في العام ١٩٦٨، في ذلك العام كان إحراق الأقصى يتطلب قمة إسلامية وتأسيس منظمة دولية، واليوم تقسيمه وتهويده لا يحرك ساكنا في  زعماء وقادة الأمة، لا تكفي من قادة الأمة كل عبارات الشجب والعجز، وسيبقى الأقصى اختبارا مهما وميزانا لا يخطئ لمن يقف مع الأمة ومقدساتها وضميرها ومن يقف عاجزا متخاذلا. 
كل محاولات الصهاينة لتهويد القدس والأقصى ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني لقبلة المسلمين الأولى، وكل الاقتحامات والمؤامرات لن تغير من الحقيقة التاريخية والدينية الراسخة بأن المسجد الأقصى كان وسيبقى حتى أبد الآبدين مسجدا إسلاميا خالصا، وأنه لن تكون هناك أية وصاية صهيونية عليه. 
إن استمرار الاستفزازات الصهيونية وتحدي مشاعر شعبنا ومشاعر كل مسلمي العالم كفيل بتفجير ثورة غضب وسخط على الاحتلال والمستوطنين. 
دعم خيار الصمود والمقاومة هو السبيل الذي لا بديل عنه لحماية الأقصى والدفاع عنه أمام الخطر الداهم، وتفعيل المقاومة في القدس والضفة الغربية وكل أرضنا المحتلة سيكون أبلغ رد على الهجمة الصهيونية، لن يردع الاحتلال والمستوطنين إلا المقاومة، ولن يحمي الأقصى إلا بذل الأرواح والدماء وجهاد بلا هوادة ضد المحتل. 
كل أوهام المفاوضات لم تحقق لشعبنا شيئا، ولم تعد مترا واحدا من أرضنا المحتلة، ولم تحمِ  الشعب ولا الأرض ولا القدس ولا المقدسات. 
أمتنا التي نحن منها وهي منا مطالبة بنصرتنا، ومخطئ من يعتقد أنَّ ما يجري في البلاد العربية، اليوم، معزول عن فلسطين، بل إنَّ الحسبة الدولية لأيّ متغيّر يجري في منطقتنا تعتمد أساسا على مصالح الكيان الصهيوني، الذي لا يختلف اثنان على مشروعه التدميري لأمتنا كلها، وليس لقضيتنا الفلسطينية فقط، فللأمَّة بكلّ طاقاتها ومكوّناتها دورٌ كبيرٌ منتظَر، ذلك أنَّ دمنا النازف واحد، وحريتنا المنشودة واحدة، ومستقبلنا لا يتجزّأ.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …