‫الرئيسية‬ ترجمات ودراسات الاستبداد العربي والثورة
ترجمات ودراسات - أبريل 14, 2015

الاستبداد العربي والثورة

تميّز المستبدون العرب بالدهاء حول البقاء في السُلطة. من مصر وسوريا إلى العراق والبحرين، كانوا قادرين على التغلب، بسرعة وبشكل حاسم في الوقت المناسب، على الحركات الاحتجاجية التي هزّت عالمهم لمدة أربع سنوات.

ظاهريًا، بدا أن الخدعة كانت مجرد استخدام القوة الساحقة إلى جانب السياسات الطائفية؛ كل ذلك في محاولة لقمع الثورة والتطرف تحت عنوان “محاربة الإرهاب”. كل هذا يحدث، بطبيعة الحال، وهم يؤسسون لدعم أنظمتهم المضطربة.

ومع ذلك، كانت هناك قضايا هيكلية عميقة في العالم العربي سمحت لهؤلاء المستبدين ليس فقط بحُكم المنطقة على مدى عقود، ولكن بالتحايل على الثورات العربية.

القوة المفقودة: الرأسمالية

يستحق ضعف التطور الرأسمالي اهتمامًا خاصًا؛ لأنه مكان ذو أرضية خصبة لازدهار “رأسمالية المحاسيب”.

يقول بارينجتون مور، في كتابه “الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية”، إنّ التطور الرأسمالي، وظهور الطبقة البرجوازية، أمر ضروري لتطوير أي نظام ديمقراطي ليبرالي.

ويقول تشارلز تيلي، في كتابه عن تطور دول أوروبا، إنّ الانقسام بين أنصار النظام القسري وبين أنصار النظام الرأسمالي، وعملية التفاوض الناتجة بين الطرفين، هو الأساس لتطوير نظام ديمقراطي.

إذا كان لنا أن نجمع بين هذين الرأيين ونلقي نظرة على مستويات التطور الرأسمالي في العالم العربي، يمكن للمرء أن يرى أنه ليس ثمة انقسام بين أنصار النظام القسري وأنصار النظام الرأسمالي؛ الأمر الذي يحبط تطور الطبقات البرجوازية المستقلة.

مصر هي المثال الأكثر وضوحًا على ذلك؛ فالجيش يمتلك إمبراطورية اقتصادية ضخمة، يُقدّر بعض الخبراء أنها تمثل نسبة 40٪ من الاقتصاد. ويشارك بقوة في مشاريع البنية التحتية الرئيسة، مع توفير مستمر للعمالة الرخيصة بسبب الخدمة العسكرية الإلزامية.

ومن خلال علاقة الجيش السياسية وموارده الاقتصادية، تمكّنت قياداته من بناء شبكة من الأتباع في القطاع الخاص. وهذا، في الواقع، يحول دون تطوير طبقة برجوازية قوية. الأمر نفسه ينطبق على سوريا، وهو ما يفسر، جزئيًا، ارتباط النخب السُنية الحضرية في سوريا بالنظام البعثي.

وبالتالي؛ يمكن القول إنّ ضعف التطور الرأسمالي هو إحدى ركائز الاستبداد في العالم العربي.

التحالف الأوتوقراطي/الاستبدادي

الركيزة الثانية من هذا النظام الاستبدادي الإقليمي، هي الديناميكية بين هؤلاء المستبدين ودعمهم لبعضهم البعض أثناء هذه اللحظات من الأزمة الثورية؛ ونتيجة لذلك، فإن أي حركات احتجاجية محتملة يجب أن تواجه حكوماتها المحلية وكذلك مؤيديهم الإقليميين؛ لذا يعتمد نجاح الثورة العربية على انتفاضات متعددة تجري في وقت واحد.

علامات هذا التحالف هو التدخل الأخير في اليمن والغارات الجوية الإماراتية في ليبيا ضد القوى الإسلامية. ما يثير الاهتمام هو أن هذه الضربات الجوية نُفّذت من قواعد جوية مصرية، مما يدل على أن هناك اتفاقًا بشأن الحاجة للتدخل العسكري في ليبيا نيابة عن حكومة طبرق.

مثال آخر أكثر وضوحًا لهذا الاتجاه، هو التدخل السعودي في البحرين باستخدام القوة المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي لدعم النظام البحريني ضد انتفاضة شعبية حقيقية، على الرغم من مضامينها الطائفية؛ إلا أنّها تلقت تأييدًا واسع النطاق من أهل السُنة في العالم العربي.

يبدو أنّ هذا التحالف أصبح أقوى الآن، حين دعا السيسي مؤخرًا لتشكيل قوة عربية مشتركة، ثم أقرتها جامعة الدول العربية، وسيتم استخدامها كأداة للقمع في جميع أنحاء العالم العربي.

دور الرأسمالية العالمية

الركيزة الثالثة من ركائز الأوتوقراطية، هي الموقف الغريب للعالم العربي في النظام الرأسمالي العالمي.

يقع العالم العربي في موقع مركزي، وهو موقع فريد مأهول بالسكان من الدول الريعية. وهذا يشمل دولًا مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين تستخدمان ريع الموارد ليس فقط لقمع المعارضة الداخلية، ولكن أيضًا لتمويل الحركات المضادة للثورة في جميع أنحاء المنطقة. وهذا يشمل دولًا مثل مصر والبحرين، اللتين تستخدمان موقعهما الاستراتيجي للحصول على المقابل من حلفائهم الإقليميين والدوليين المؤيدين لقمع المعارضة.

ولأنه ليس هناك أي قاعدة ضريبية؛ فإنّ هذا النموذج من الاعتماد على التدفقات الخارجية لرأس المال يسمح للمستبدين المحليين بتجاهل مطالب السكان المحليين. ويمكن أن تستخدم الدولة القمع دون أي عقاب. على هذا النحو، ليس ثمة فصل بين أنصار الرأسمالية وأنصار القسر والإكراه.

المفهوم الضيق للمصلحة الطبقية

الركيزة الرابعة للأوتوقراطية العربية، هي قصر نظر الطبقات العربية الحاكمة فيما يتعلق بمصالحهم الطبقية. وهذا يجعلهم عرضة لاستخدام العنف الشديد للبقاء في السُلطة، حتى لو كانت قدرتهم على البقاء في الحُكم لفترات طويلة في خطر. بعبارة أخرى، الطبقات العربية الحاكمة مستعدة لدفع بلادها إلى حالة من الانهيار بدلًا من تقديم تنازلات للحركات الاحتجاجية، من أجل مواصلة تكديس الثروة. ويبدو أنّهم يؤمنون بأن التنازلات البسيطة ستؤدي إلى تراجع النظام بأكمله.

سوريا والعراق هما أوضح مثالين لهذه الحالة. في سوريا، تشبث النخب الحاكمة بفكرة أن الأسد يجب أن يبقى في السُلطة لدرجة أنهم ضحوا باستقلاليتهم تمامًا لصالح قوى أجنبية، وقوّضوا قدرة طبقتهم في استخراج الثروات من البلاد. بقاء الدولة السورية محل شك الآن، وحتى إذا انتصرت الحرب الأهلية، فإن حجم الدمار هائل ولن يكون النظام السوري قادرًا على البقاء دون الدعم الروسي والإيراني، الذي يدين لهما بالكثير.

كان من الممكن تجنب هذا المصير، لو أطاح النظام بالأسد وتوصل إلى تسوية سياسية مع المعارضة. يتكرر نفس السيناريو في العراق، حيث أظهر التورط الكبير لإيران في معركة تكريت حجم القوة التي تمتلكها إيران داخل العراق. وبدلًا من الإصلاح، اختار النظام العراقي الاعتماد على قوة أجنبية.

الاستشراق والقمع

الركيزة الخامسة والأخيرة في النظام الأوتوقراطي العربي، هي القاعدة الأيديولوجية للقمع، أي الاستشراق في العالم العربي وخوف الطبقة المتوسطة من ثورة اجتماعية محتملة.

القاعدة الأيديولوجية للمستبدين العرب متعلقة بالأمن الوطني ومحاربة “التطرف الإسلامي”. يمتلك هؤلاء المستبدون نظرة عنصرية ضد الشعب ويشكّكون في قدرته على ممارسة حقوقه الديمقراطية. هذه الفكرة منتشرة على نطاق واسع بين الطبقات الوسطى الحضرية في المدن العربية؛ فهم يخشون من سيطرة محتملة من الطبقة الدنيا الريفية.

ومصر هي حالة نماذجية؛ حيث أدى الفوز الانتخابي لجماعة الإخوان المسلمين وقاعدة الدعم التقليدية لها في المناطق الريفية في الجنوب، إلى تحوّل الطبقة الوسطى الحضرية إلى معقل لدعم النظام العسكري المصري.

ونتيجة لذلك؛ يمكن للمرء أن يجادل بأن أصول الأوتوقراطية العربية تكمن في الهياكل الاجتماعية للمجتمعات العربية، الأمر الذي يجعل نجاح أي نظام ديمقراطي ليبرالي في غاية الصعوبة.

ما يجب أن نفكر فيه هو الحاجة لتطوير نموذج محلي من الديمقراطية القائمة على مركزية السُلطة الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من محاولة تقليد النماذج الغربية، التي تطورت من التجارب التاريخية الأوروبية بشكل استثنائي. ولا يجب أن تنبع السُلطة فقط من هيئة برلمانية منتخبة، ولكن من أجهزة أصغر من الحُكم الذاتي، تسمح للمواطنين العاديين بالسيطرة على حياتهم.

حتى الآن، اقتصر الصراع بين المستبدين والثوار داخل الحدود الوطنية. ولكن في ظل تحوّل الاتجاه نحو تجميع مصادر الأنظمة الأوتوقراطية، ستكون أي مواجهة مستقبلية هي مواجهة إقليمية.

وهذا سيخلق معضلة كبيرة للحركات الاحتجاجية التي تمثل تطلعات طبقات معينة داخل المجتمعات، وستقتصر مطالب هذه الحركات في جوهرها على دولهم فقط؛ مما يحد من قدرتها على تجميع مواردها الخاصة.

بعبارة أخرى، من المهم بالنسبة للمصريين أن يدركوا أن النضال من أجل الحرية ليس منفصلًا عن نضال شعب البحرين، والعكس صحيح. تأطير النضال بإطار وطني بحت هو خطأ بالغ الأهمية في هذه المرحلة. النضال من أجل الحرية في العالم العربي لا يمكن أن يكون محدود النطاق؛ بل إنّه صراع إقليمي بين الاستبداد والثورة.
طالع المصدر الأصلي
أوبن ديمقراسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …