‫الرئيسية‬ ترجمات ودراسات مصر.. الثورة ومستقبل الإخوان المسلمين
ترجمات ودراسات - أبريل 11, 2015

مصر.. الثورة ومستقبل الإخوان المسلمين

حكموا أو يحكمون في عدّة دول كما أنّهم في الآن نفسه مضطهدون في عدد منها؛ كيف يقود الإخوان المسلمون الحكم؟ وأيّ علاقة بين التجربة المصرية وتجربة تركيا أو اليمن؟ عملان جماعيان الأوّل بعنوان “الثورات في مصر” من إعداد برنار روجيه وستايفان لكروا، والثاني بعنوان “الإخوان المسلمون والحكم” لبيار بوشو يعالجان هذه المسائل.

بعد أربع سنوات من سقوط نظام الرئيس محمد حسني مبارك، تطرح العديد من الأسئلة حول مصر: هل كانت الفترة الثورية مجرّد فاصلة أم أثّرت بعمق على البلاد؟ وهل يشكّل النظام الّذي أنشئ بعد 3 يوليو 2013 والإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي عودة إلى الخلف؟ وهل لازال للإخوان المسلمين مستقبل في حين أنّهم في موقف دفاعي ليس فقط في مصر؛ بل في العالم العربي بأسره؟ ومع بعض التراجع الّذي يسمح بالتخلّص من التعليقات الفورية والحماس المسبّب للعمى، حان الوقت للتقييم الأولّ. ويساهم عملانا في تقديم إجابات معمّقة وصلبة على هذه الأسئلة.

وتحت إشراف برنار روجيه وستايفان لاكروا، يركّز كتاب “الثورات في مصر” على هذه البلاد الكبيرة في الشرق الأوسط، أمّا “الإخوان المسلمون والحكم” بتنسيق من بيار بوشو فيوسّع المنظور على كامل المنطقة وواحد من أبرز تيّاراتها الأيديولوجية.

التطلّعات الثورية والتغيرات الاجتماعية

من خلال الكتاب الأوّل الّذي كتبه 15 متخصّصًا أغلبهم فرنسيون ومصريون، يمكن أن نسلّط الضوء على فصل العدالة (من إعداد ناثان براون)، والدور المتناقض للقضاة في العملية الثورية واستقلاليتهم عن السلطة. أو على تطوّر أعمال العنف في سيناء (من إعداد إسماعيل الإسكندراني) في مواجهة الجيش الّذي يقود حربًا مفتوحة يدفع السكّان المدنيون ثمنها دمًا ويعدّ الفلسطينيون في غزّة ضحايا لها أيضًا.

أمّا ستيفان لاكروا وأحمد زغلول شلاطة، فيرويان تطوّر السلفية الثورية وهي حركة أكثر راديكالية من جماعة الإخوان المسلمين، وما يميّزها بعيدًا عن المطالبة بالتطبيق الفوري للشرعية وغموض برنامجها السياسية، وطنيتها في مواجهة القوى الأجنبية (الولايات المتّحدة و”إسرائيل” في المقام الأول) وتشبّثها على وجه الخصوص بانتفاضة 25 يناير 2011، “الّتي تعتبر بداية العملية الثورية وليست نتيجة لها”.

وتمثّل هذه الحركة المجمعة حول شخصية الشيخ صاحب الكاريزما “حازم أبو إسماعيل”، “نفيًا للسياسة التقليدية لصالح منطق التغيير الجذري”، وهذا المنطق قاد السلفيين الثوريين -على عكس الإخوان المسلمين- إلى عدم إخلاء ساحة النزاع، وهؤلاء قريبون من الألتراس -أنصار فرق كرة القدم الّذين لعبوا دورًا نشطًا في يناير-فبراير 2011-؛ بسبب أعمارهم الشبابية وشعاراتها واستعدادهم لمواجهة القوى النظامية، ويستمرون إلى الآن في التظاهر على الرغم من القمع العنيف في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك في القاهرة.

ومن بين المساهمات المهمّة في الكتاب، دراسة للسوسيولوجيا الانتخابية؛ إذ للمرّة الأولى منذ 1952، شارك المصريون بين 2011 و2013 في انتخابات تشريعية ورئاسية بالإضافات إلى استفتاءات لم تطبخ نتائجها في مكاتب الرئاسة أو أمن الدولة، وكما يلاحظ الكاتب كلايمون شتوير في 2011 و2012: “ساهم تحرير العرض السياسي ونهاية التسامح الحكومي مع ممارسات التزوير والعنف الانتخابي في ملء القطيعة التقليدية الّتي تفصل نظام الأحزاب عن المجتمع”.

ما الّذي تكشفه الأرقام الّتي درسها برنار روجيه وهالة البيومي؟ أوّلًا، توجّه المصريون بأعداد هائلة إلى صناديق الاقتراع؛ إذ ارتفعت نسبة المصوّتين من أقلّ من ربع السكّان إلى أكثر من 50 %، ثمّ إنّ الصعود الإسلامي الّذي بدا غير قابل للمقاومة في الانتخابات التشريعية في شتاء 2011 – 2012 (يذكر أنّ العديد من المقالات في الصحافة الغربية تحدّثت عن “الشتاء الإسلامي”) لم يدم.

“وبعد 6 أشهر [من الانتخابات التشريعية] خسر الإخوان -الّذين غالبًا ما كانوا راضين عن عنف الشرطة ضدّ المتظاهرين الثوريين- في وقت قصير عذريتهم السياسية على خليفة التدهور المتسارع للوضع الاقتصادي”، (رغم أنهم لم يكونوا مسؤولين عنه). وهكذا “لم تترجم [نجاحاتهم الأولية] لدى الناخب المصري انخراطه في الإسلام السياسي“.

ولأن الإخوان المسلمين -وفقًا لروجيه والبيومي- باتوا غير قادرين على التكيّف مع حالة المنافسة المفتوحة والنقاش الديمقراطي والمرور من شعار “الإسلام هو الحلّ” إلى مقترحات ملموسة للتحوّل الاجتماعي. ويعد الإسلاميون أقلّ تأثيرًا في المناطق الحضرية، ولكن في الأرياف حقّقوا نتائج أفضل بين الفلاحين الفقراء، أوّلى ضحايا القانون الّذي اعتمد خلال حكم مبارك الّذي ألغى مكتسبات الإصلاح الزراعي الناصري. وكما أشار الكاتبان، العائلات المرتبطة بالملاك الكبار وبجهاز الدولة خسروا خلال هاتين السنتين “الثوريتين” سيطرتهم على الناخبين وعلى تصويت الأرياف.

هل من الممكن إعادة تشكيل هذه الهياكل من قبل النظام الجيد -الّذي في الآن نفسه لا يكاد يحافظ على وحدة جميع المكوّنات الّتي أتت به إلى الحكم- الجيش والشرطة ورجال الأعمال وشبكات الحزب الوطني الديمقراطي السابق والقضاة والأحزاب “الليبرالية”؟ ما هو مؤكّد هو أنّ عصر الانتخابات الحرّة في مصر قد أغلق مؤقّتًا وليس الإخوان المسلمون الّذين أنهوا هذه الفترة؛ بل القوّات الّتي قدّمت نفسها كمعادية للإسلاميين بدعم من العديد من “اللبراليين”.

“المهمة المقدّسة” لاختبار الحكم

يشكّل الكتاب الّذي نسّقه بيار بوشو موسوعة لا غنى عنها لجماعة الإخوان المسلمين مهيكلة لفصول حسب البلاد، وكتب من قبل خيرة المتخصّصين وبسعر معقول. ويمدّد النصّ الطويل لماري فانتزال التكفير حول فشل الإخوان المسلمين في مصر، خاصّة لعدم قدرتهم على الخروج من ثقافة السرعة، ومن اقتناعهم بأنّهم منخرطون في “مهمّة مقدّسة”؛ ممّا يبرّر حقيقة أنّهم ليسوا مجرّد حزب سياسي، وأنّ أعضاءه فوق قواعد المجتمع؛ لأنّ لديهم هدفًا لـ “تطبيق الإسلام على الأرض”.

وتكشف مهام التنظيم بالتالي عن الدنيوي والديني، الأرضي والإلهي. ومن أجل التوصّل إلى هذه النتيجة، كانوا في حاجة إلى انضباط حديدي كما هو موضّح من قبل الرجل الثاني في التنظيم، خيرت الشاطر: “لا توجد جماعة دون زعيم، ولا زعيم دون طاعة” ومن هنا يمكن استخلاص الكثير من أوجه الشبه بين هذا التصوّر وتصورّ جوزيف ستالين عن الأحزاب الشيوعية.

وتكمن المشكلة في أنّ السياسة والدين يتواجدان في عوالم مختلفة: الأوّل على الأرض، والثاني في السماء. والأوّل باعتباره مكانًا للتسويات والتحالف، والثاني لديه تقريبًا التعريف نفسه مع المطلق. ويكمن التناقض الآخر في أنّ الشرعية الدينية للإخوان المسلمين ضعيفة خارج دوائر أنصارهم فما من مفكرّ إسلامي كبير معاصر ينتمي إلى هذا التيار باستثناء الشيخ يوسف القرضاوي المسنّ الّذي يقارب عمره الـ 90 عامًا. ومن هناك تأتي عدم ثقة الكثير من المسلمين فيما يتعلّق بالتنظيم الّذي يبدو الإسلام في خدمته أكثر من كونه في خدمة الإسلام.

وطيلة فترة حكم محمد مرسي، لم يتمّ اتّخاذ أيّ إجراء لأسلمة المجتمع -وهذا ما يعيبه عليه السلفيون- في حين أنّ الإخوان المسلمين سعوا -دون الكثير من الجدوى- للقيام بتحالفات بين الشرطة والجيش أو إلى التمكّن من جهاز الدولة.

فهل حقّقوا نجاحًا أفضل في أماكن أخرى؟ يظهر كتاب بيار بوشو التنوّع الاستثنائي للمسارات، غالبًا حسب ما تمليه الحالات العملية المختلفة أكثر من الأيديولوجية المشتركة.

ولا يوجد تنظيم إخواني دولي (على الرغم من الحديث غالبًا عن التنسيق الدولي الّذي ربّما احتاج فصلًا كاملًا من الكتاب؛ لأنّه أصبح واحدًا من العناصر الأساسية لملفّ الحكم المصري ضدّ الإخوان المسلمين المتّهمة بخدمة مصالح أجنبية. ولئن تمّ طويلًا اعتبار حزب العدالة والتنمية في تركيا (البلد غير العربي الوحيد الّذي شمله الكتاب) كأنموذج، فإنّ هناك قلّة من النقاط المشتركة بين تجربة الإصلاح في اليمن القبلي والمنفجر وحزب العدالة والتنمية الّذي يقود الحكومة المغربية في ظلّ الملك القوّي جدًّا أو تجربة الصحوة في المملكة العربية السعودية.

رغم ذلك نجح الإخوان المسلمون في كلّ مكان في التجذّر داخل المجتمع، ولا يزال اندماجهم في اللعبة السياسية واحدًا من تحديّات المنطقة؛ فهل يمكن أن نخرج من المعضلة الّتي تحكم على العالم العربي بين ديكتاتورية العسكر وديكتاتورية الإسلاميين؟ وهل تقدّم “التسوية التاريخية” بين مختلف القوى السياسية وفقًا للأنموذج التونسي طريقًا أفضل للنموذج المصري الاستبدادي؟

—–
نقلا عن (التقرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …