‫الرئيسية‬ مقالات لعنة الدم وحديث المصالحة
مقالات - أبريل 6, 2015

لعنة الدم وحديث المصالحة

كما تهب علينا عواصف الحروب تهب علينا كذلك رياح المصالحة كل حين، يزيد الحديث عنها بعد أن توارى لأسابيع وربما لشهور، هذه المرة ومع هبوب عاصفة الحزم رياح تتعلق أيضا بحديث المصالحات، وكتبت المصادر الإعلامية استنادا لما أسمته بالمصادر الخاصة أو المصادر الموثوقة أو المصادر المسؤولة وجعلت من كل ذلك مدخلا لإعلان محاولات التصالح بين العسكر وبين الإخوان على وجه الخصوص، في هذه المرة يبدو حديث المصالحة ليس بعيدا عن ترتيبات إقليمية تحاول أن تحشد الصفوف في مواجهة عدو رأت بعض قوى إقليمية أن هناك أولوية في مواجهته وأن عناصر ضرورية تؤكد إعداد العدة للقضاء على طموحاته والكثير من أهدافه، تحدث البعض عن “مشروع سني”.

حديث المصالحات بتفصيلاته أو ببعض إشاراته يجعل من هذين الطرفين محل هذه المصالحة، وهم بهذا التفكير ربما يتناسون وعن عمد أن المصالحة الآن صارت أكبر من العسكر ومن الإخوان، ذلك أن العسكر الآن لا يمثلون إلا مجرد رأس حربة لقوى الدولة العميقة القميئة ودولة الفساد العتيقة، وكذلك فإن الإخوان ليسوا إلا فصيلا مجتمعيا أدت مواجهته إلى استخدام خطاب تحريضي وصناعة الكراهية ليشكل ذلك بيئة أرادوا من خلالها استئصال هذه القوى فأتى ذلك على قوى المجتمع بأسره، صحيح أن الإخوان نالهم النصيب الأوفر من القتل والاعتقالات والمطاردات والمصادرات إلا أن هذا النظام بغبائه جعل كل من يعارضه في خانة واحدة وصار بقوانينه البلهاء يقدم كل تجريم لأي صوت معارض فهذا ينطبق عليه قانون التظاهر، وهذا يدخل سجن الاعتقال فلا يخرج منه جراء إطلاق الحبس الاحتياطي بلا سقف، وهذه كيانات تقع تحت سيف التهديد لقانون الكيانات الإرهابية.

ماذا يمكن أن ينتج هذا؟، فيجعل في حقيقة الأمر عمل هذه النخبة “المحنطة” “المنحطة” التي جعلت من مصادر استقطابها أدوات لاقتتال واختلافات نشأت في الأسرة الواحدة والمجتمع الواحد، وأحدثت شرخا مجتمعيا يصعب التئامه أو إزاحة كل ما يتعلق بتلك العواقب التي تشير إلى امكانات اقتتال أهلي ينال من السلم المجتمعي وتماسك المجتمعات الوطنية؛ الأمر إذن صار أبعد من العسكر لأننا صرنا نواجه ثورة مضادة كاملة في مواجهة ثورة الخامس والعشرين من يناير التي تحمل أشواق “العيش الكريم، والكرامة الإنسانية، والحرية الأساسية، والعدالة الاجتماعية والانتقالية”، بدا هذا النظام الباطش بفاشيته العسكرية، وأداته البوليسية القمعية، وإعلام الإفك المساند له، وجهاز العدالة الذي تخلى عن وظيفته وصار أحد أدوات البطش يمارس ظلمه وجوره في ظل سياسة عامة تحدث عملية التخويف والترويع والتطبيع والتطويع، كل ذلك من شأنه أن مصالحة لا يمكن إطلاقا أن تكون إلا بالتوافق على خطة إصلاح جذرية لآلات الظلم والاستبداد والقضاء على شبكات الفساد، لا يعقل أن تكون هناك مصالحة حقيقية من دون إصلاحات ثورية وجذرية.

فضلا عن ذلك فإن المصالحة في حقيقة أمرها صارت مطلبا مجتمعيا وأن الاهتمام بالمصالحة المجتمعية أولى من تلك المطالبات بالمصالحات السياسية بما تحمله الأخيرة من مساومات أو تنازلات، شأن المصالحة المجتمعية يجعل السياسي في جوفها تحاول أو تستوعب هذا الأمر الذي شرذم المجتمع إلى فئات ورؤى متضاربة بل ومتناحرة قام بهذا العمل منظومة الانقلاب بدم بارد وبأدوات فتكه، مؤملا أنه بهذا سيصنع الرضا الكاذب أو الاستقرار الزائف، ولكنه لا يعي أن شرعنته لا يمكن أن تضفي على غصبه قدرا ولا يمكن أن تضفي على ضلاله حقا ولا يمكن بأي حال أن تجعل من إفك إعلامه صدقا، شأن المصالحة المجتمعية إذن أن تلملم كل جراح هذا المجتمع التي فجرها انقلاب عسكري مستغلا استقطابا سياسيا يحاول من خلاله صناعة بيئة الكراهية على قاعدة “فرق تسد”؛ هكذا الاستبداد لا يعرف إلا بيئة الفرقة والفوضى حينما يريد أن يمكن لنفسه ويؤسس لسطوة سلطانه وطغيانه.

ويتناسى هؤلاء أخطر ما في الموضوع أيا كان هؤلاء من عسكر أو من قوى سياسية تداعب خيالاتها أن المصالحة يمكن أن تحدث ويتناسى هؤلاء أو يغفلون “لعنة الدم” التي تشكل حاجزا كبيرا وعظيما لا يمكن تجاوزه إلا بوضع استراتيجيات حقيقية لتأمين عملية القصاص في ظل استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية قادرة على أن تجعل من عملية القصاص أي أهم شروط تحقيق أصول مصالحة استراتيجية كاملة قادرة على تخطي هذا الوضع الذي اصطنعه الانقلاب والذي يؤكد أن القصاص إنما يرتبط بمشروع سياسي يقوم على قاعدة “القواعد التي تحكم مصر مستقبلا ،أن قبول حكم العسكر اليوم ليس إلا قبولا لحكم العسكر إلى الأبد، وأن عدم عودة الجيش إلى ثكناته يعني تخليه عن وظيفته التأسيسية وانخراطه في السياسة لتحقيق مصالح آنية وأنانية لا يمكن بأي حال أن يجعل من هذا الكيان مؤسسة عسكرية في مجتمع مدني ديمقراطي”.

وكذلك فإنه من الخطورة بمكان أن ترى سلطة الأمر الواقع التي تتمثل في الانقلاب أن المصالحة تعني خنوعا وخضوعا في هذا المقام وامتثالا لرؤية وخطة العسكر التي تقوم على امتداد هذا الحكم لحقب آتية، وأن أي مستقبل سياسي لمصر يمكن أن يصادر من طغمة عسكرية إذا رأت أو استشعرت أن ذلك لا يخدم مصالحها الآنية والأنانية، وأخطر من ذلك أن ننتظر المرة تلو المرة عند انتخابنا رئيس مدني خروج جنرال يشهر السلاح ويختطف الرئيس ويلغي الاستحقاقات الانتخابية والاستفتائية بجرة سلاح من دون أن يكون هناك أي وزن لشعب أو لمسار ديمقراطي، ويزيد الطين بلة أن يرى العسكر أن أي مصالحة ليست إلا منتهى الخنوع والخضوع لإرادته فيجعل من مطالبه في الخنوع والخضوع حالة مصالحة مرجوة باعتبارها غاية الطريق، ولعمري إن مصالحة على تلك الشاكلة ليست بمصالحة ولكنها أشبه باتفاقيات المنتصر والمهزوم في حرب عالمية وشأن المجتمعات في مصالحاتها أن تؤصل لمعنى التماسك في بنيانها وكيانها وقدراتها لا النتقام أو الثأر أو الاستئصال.

حينما نؤكد على لعنة الدم في هذا المقام يجب ألا نستهين بهذا الأمر ونتحدث عنه في مجال المقايضة بالأموال في حديث الدية، أو في مجال التنازل عن الدماء في محاولة للضغط على أهالي الشهداء أو المصابين، ونقول لهؤلاء الذين ارتكبوا جرائم في حق هذا الوطن وأسالوا الدماء وأوقعوا الشهداء بلا مسوغ فيما بعد ثورة 25 يناير أن هؤلاء جميعا يجب أن يكونوا موضع المساءلة والمحاسبة، لا يستطيع هؤلاء أن ينفدوا بفعلتهم أو بقتلهم لأن ذلك ليس فحسب تخريبا سياسيا، وإهدارا لحقيقة العدالة وإقامتها وإنما تخريبا للمجتمع والمسئولية عن تماسك شبكة علاقاته المجتمعية والسياسية والقيمية، ولا يستطيع أحد كائن من كان أن يهدم كيان سياسة أو شبكة علاقات مجتمع من أجل طرف قرر أن يرفع السلاح ويقتل من شاء أنى شاء لأن ذلك في حقيقة أمره ليس إلا حكم عصابة في غابة، وهذا أمر لا يؤسس لمعنى الدولة من جانب ولا يقدم تأسيسا لدولة سيادة القانون والعدالة من جانب آخر.

قد يتحدث البعض هنا أو هناك أننا نعقد المشكلة، وأن بعض هذه الدعوات حول المصالحات إنما تهدف الخروج من وضع التأزيم الراهن الذي بلغ ذروته مع الانقلاب العسكري ومع ممارسات خطيرة أدت إلى إفتقاد الأمن والأمان، بل وافتقاد قدرة الانسان العادي والمواطن على ضمان معاشه في ظل غول للأسعار إفترسه، وفقر صار يعشش في كثير من الأسر المصرية إذ تدهورت أحوالها وضاق معاشها، وقد يقول البعض أنه لابد وأن تحدث تنازلات كبيرة من كافة الأطراف ولكن التنازلات بعد ثورة يناير لا يمكن أن تكون بحال بصدد ما يحفظ جوهر الكيان سواء تعلق الأمر بحرمة النفوس أو تعلق بمستقبل شعب ووطن، إذن لعنة الدم هي المعنى الذي يجب أن نضعه في أذهاننا لنعبر به عن حالة مجتمع وجب عليه أن يدفع هذه اللعنة عنه ويؤسس لمعنى الحق والعدل والأمن والأمل في مستقبل لثورة شعب ومكانة وطن.
——–
نقلا عن (مصر العربية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …