‫الرئيسية‬ ترجمات ودراسات توم ستيفنسون يكتب عن نهج السيسي في السجون المصرية
ترجمات ودراسات - مارس 30, 2015

توم ستيفنسون يكتب عن نهج السيسي في السجون المصرية

هذا تحديدًا جوهر الدكتاتورية العسكرية: رؤية الدولة والشعب كجيشين متحاربين، الأول أفضل عدة والثاني أكثر عددًا، مما يجعل الوحشية نهجًا لابد منه. وهذه تحديدًا رؤية السيسي وجماعته، وهو ما يفسر الزيادة الهائلة في ممارسات التعذيب في مصر.

ليس سرًا أن نظام مبارك كان قمعيًا. لكن، على الرغم من أن نظام عبد الفتاح السيسي أسوأ منه بمراحل في التعامل مع السجناء وفي جوانب كثيرة أخرى، يشيد رجال الدولة في العالم بدور السيسي في “التحول الديمقراطي” في مصر. حين زار جون كيري القاهرة في السنة الماضية، مثلًا، قال إن السيسي أعطاه “إحساسًا قويًا جدًا بالتزامه بحقوق الإنسان”. هذه القضايا تشغل بال السيسي إلى أبعد الحدود، أضاف كيري.

والمعروف أن دعم الحكومات الاستبدادية في مصر لتحقيق الأمن الإقليمي كان السياسة الأمريكية المعتمدة لأكثر من ثلاثين سنة؛ فقد دعمت الولايات المتحدة نظام مبارك حتى آخر أيامه، وحتى خلال احتجاجات كانون الثاني/ يناير 2011، كانت الولايات المتحدة تأمل أن يستطيع مبارك البقاء في الحكم عبر تقديم تنازلات سياسية. لقد رحل مبارك الآن، لكن علاقات وزارة الدفاع الأمريكية المتينة وطويلة الأمد مع عسكر مصر بقيت على حالها.

والمسؤولون الأمريكيون اليوم يعملون حثيثًا على إعادة تدفق المساعدات والمعدات العسكرية التي علقت مؤقتًا في أعقاب الانقلاب، فبالنسبة لواشنطن ليس ثمة “مشكلة حقوق إنسان” جدية في مصر اليوم.

والولايات المتحدة ليست وحدها هنا. عندما زار رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، القاهرة الشهر الماضي، عبّر عن “التقدير الكبير” الذي تكنه الحكومة اليابانية لعلاقتها بالسيسي، متعهدًا بتقديم مئات ملايين الدولارات على شكل قروض تنموية. كما عاد الدعم الدبلوماسي الأوروبي عمومًا إلى سابق عهده، بعد انقطاعات طفيفة حين بلغ القمع ذروته صيف عام 2013.

وعلاوة على زيارته الجمعية العامة للأمم المتحدة، حظي السيسي باستقبال رسمي في الفاتيكان، ودافوس، وروسيا وباريس. ذُكر القليل في هذه الاجتماعات، أو لم يذكر شيء البتة، عن انتهاكات حقوق الإنسان الروتينية في مصر، ناهيك بمجزرة رابعة أو الاعتقالات الجماعية وتعذيب المعارضين.

حين عقد ديفيد كاميرون اجتماعًا مع السيسي في نيويورك في أيلول/سبتمبر، تحدث عن “دور مصر الحيوي” في المنطقة وأهميته للسياسة البريطانية. “سواء اقتصاديًا أو في المعركة ضد التطرف الإسلامي” قال كاميرون، تبقى مصر حليفًا محوريًا تحرص المملكة المتحدة “على توسيع شراكتها العملية معه”.

حث كاميرون الرئيس السيسي على “احترام حقوق الإنسان”، لكنه كان أكثر اهتمامًا بكثير بوجوب تسديد الدولة المصرية فورًا ديونها المستخقة لشركات النفط البريطانية العالمية. ولعل هذا الاهتمام يبرر حقيقة أن الوفد الاستثماري الذي زار القاهرة في الشهر الماضي كان الأكبر خلال عقد من الزمن، وأن السفارة البريطانية في القاهرة تصدر اليوم تقارير تحت عناوين من قبيل “هل مصر مفتوحة للتجارة والأعمال؟” في الواقع -وكما يعرف السيسي تمامًا- ليس ثمة مصلحة حقيقية للقادة الغربيين في إزعاج مصر، الواقعة استراتيجيًا بين العالم المتقدم والمنطقة الرئيسة لإنتاج النفط في العالم. ولا يبدو أن الغرب يرى أي تناقض في دعم “استقرار” نظام السيسي بينما يعاني الشعب المصري حالة عدم استقرار شديدة جراء الاعتقالات الجماعية وعمليات التعذيب.

** ** **

اعتقل محمد ب. (38 سنة، طالب دراسات عليا) يوم 6 أكتوبر 2013 وهو يشارك في واحدة من المسيرات الكثيرة المناهضة للانقلاب في القاهرة ذلك اليوم. كانت المظاهرة تتجه إلى ميدان التحرير، لكن عند وصولها إلى منطقة الدقي هاجمتها قوات من مختلف فروع الأجهزة الأمنية في المنطقة، فقتل العشرات واعتقل الكثير. حاول محمد الهرب عبر طرق جانبية، كغيره من مئات المتظاهرين، لكن قوات الأمن حاصرتهم جميعًا واعتقلتهم.

اقتيد محمد، مع طبيبين ومهندس وأكاديميين من جامعة القاهرة، إلى مركز الشرطة واحتجزوا لمدة سبع أو ثماني ساعات من دون حتى ماء. وفي منتصف الليل نقلوا جميعًا لكن ليس -كما توقعوا- إلى أحد سجون القاهرة الكثيرة.

نظام السجون في مصر إرث حقبة الاستعمار البريطاني الطويلة، وما أعقبها من أنظمة استبدادية في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك. بعض أساليب التعذيب التي تستخدمها المخابرات المصرية اليوم تم تطويره في سجن بريطاني خلال الحرب العالمية الثانية؛ ففي تلك الفترة ألحق مركز التحقيق الخاص للقوات المشتركة بأحد معسكرات الجيش البريطاني في ضاحية المعادي بالقاهرة.

كان المعسكر يضم قاعة سينما وحلبة ملاكمة وصالة يتناول فيها الجنود المثلجات، وعلى بعد بضع مئات الأمتار كان المحققون البريطانيون يجرون تجاربهم على مجموعات تضم كل منها ما لا يقل عن 60 سجينًا، محاولين تحريض عوارض الهلوسة فيهم باستخدام عقار ثيروكسين (Thyroxine)، أو تحطيم السجناء نفسيًا بإجبارهم على حفر قبورهم بأيديهم.

تدير وزارة الداخلية المصرية اليوم 42 سجنًا رسميًا مخولًا بإيواء المعتقلين المدنيين. ويسهل نسبيًا الحصول على معلومات حول هذه السجون، بل يجري تفتيشها رسميًا أحيانًا. لكن، التعذيب وإساءة معاملة السجناء أمر شائع، ويشجع عليه نظام قضائي وقانوني يعتمد في حالات كثيرة على اعترافات المتهمين في إدانتهم. بعض أسوأ هذه السجون ذائع السيط: وادي النطرون، وأبو زعبل، وليمان طرة الذي يعتبر أحد أقدم “المواقع السوداء” التي استخدمتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عهد مبارك. هناك أيضًا سجن برج العرب، حيث لايزال محمد مرسي معتقلًا، والسجن فائق الحراسة الأشهر في مصر، سجن العقرب.

يفرض القانون المصري على أجهزة الشرطة إحالة القضايا إلى النيابة وبدء التحقيق خلال 24 ساعة من الاعتقال. ويجب نقل السجناء إلى إحدى مؤسسات الاعتقال الرسمية الـ 42 بانتظار محاكمتهم. لكن، هذا ليس ما يحدث اليوم؛ إذ ثمة أدلة دامغة على أن قوات الشرطة والتشكيلات العسكرية وشبه العسكرية تشغّل نظام اعتقال مواز خارج القنوات الرسمية، وخارج القانون، جزئيًا للتعامل مع أعداد المعتقلين الضخمة منذ قيام الانقلاب.

وتشهد مصر ارتفاعًا غير مسبوق في تاريخها من حيث عدد المعتقلين؛ ففي بداية عام 2013 تراوح العدد الرسمي للسجناء بين 60.000 و66.000 سجين. وحسب أرقام وزارة الداخلية نفسها، بلغ عدد المعتقلين في الأشهر التسعة التي أعقبت إزاحة مرسي في شهر تموز/ يوليو من العام ذاته 16.000 سجين؛ غير أن التقديرات المستقلة والأكثر صدقية التي يقدمها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تفيد بأن الرقم للفترة نفسها فاق 41.000 سجين.

يرفض السيسي هذه الأرقام، على اعتبار أن السجون الرسمية لا تتمتع، حسب زعمه، بالطاقة الاستيعابية لإيواء عشرات آلاف المعتقلين. وقد يكون السيسي على حق، لكن هؤلاء الناس اعتقلوا وسجنوا فعليًا. أين هم، إذن؟

بعد مقابلة محامين وعلماء نفس ومعتقلين سابقين، عرفتُ أسماء بعض المواقع حيث تبدو عمليات التعذيب ومعاملة السجناء أسوأ بكثير من أي شيء يحدث في السجون الرسمية. داخل مرافق عدة مثل معسكر الزقازيق، وهو قاعدة في محافظة الشرقية تديرها قوات الأمن المركزي، ثمة معتقلات غير معترف بها تجعل السجون الرسمية شبه إنسانية. وهناك مرافق تعذيب أخرى في أبنية وزارة الداخلية في ميدان لاظوغلي وشارع جابر بن حيان، حيث يعذب جهاز الأمن الوطني المعارضين السياسيين ويحقق معهم مطولًا.

وفي السجون العسكرية في العزولي بمحافظة الاسماعيلية، وفي عجروط بمحافظة السويس، يُعزل السجناء عن العالم الخارجي في زنزانات انفرادية، أحيانًا معصوبي الأعين، لأشهر بطولها.

رُحِّل محمد.ب ورفاقه من زنزانتهم في قسم شرطة الدقي إلى ما يعرف باسم “معسكر عشرة ونص”، وهو ثكنة تابعة للأمن المركزي خارج القاهرة. ولا تختلف القصة التي رواها عن “حفل الاستقبال” في المعتقل عن قصص أخرى كثيرة سمعتُها من معتقلين سابقين في السجون المصرية. مجموعات من الضباط والجنود كانوا بانتظار السجناء القادمين، وقاموا بشتمهم وضربهم بلا هوادة. داسوا عليهم بكعوب أحذية معدنية، وجلدوهم بسياط جلدية، ثم جردوهم من ملابسهم وعلقوهم في سقف الزنزانة، وضربوهم بالعصي على أجسادهم وباطن أقدامهم، وأخضعوهم لأوضاع مجهدة، وصعقوا بعضهم بالكهرباء. محمد نفسه جرد من ثيابه وأجبر على الزحف على ساعديه وبطنه لأكثر من ساعة، في طريقة تعذيب على ما يبدو مستلهمة من التدريبات العسكرية. أخيرًا، وبدون أي محاولة لانتزاع معلومات منهم، حشر الرجال في زنزانات مرتجلة داخل الثكنة.

كانت مساحة زنزانة محمد 3×6 مترات وضمت 59 شخصًا. كانت مكتظة لدرجة وجد محمد نفسه مضطرًا للوقوف على رجل واحدة لفترات امتد بعضها لأكثر من ساعتين. لم يكن هناك مرحاض، ولم يغادر أحد الغرفة إلا في جولات تعذيب ترفيهية للحراس.

حاول المعتقلون ابتكار طريقة تتيح لهم النوم وهم محشورون في صندوقهم الأسمنتي؛ قسموا أنفسهم إلى مجموعات من أربعة أشخاص، يقفون وينامون دوريًا فوق عدد محدد من بلاطات أرض السجن خصصت لكل مجموعة. سرعان ما ثبت فشل هذه الطريقة. حاولوا النوم مضطجعين على جنباتهم، متقابلين رؤوسًا وأرجلًا. لم تنجح هذه أيضًا.

نجحت طريقة ثالثة ثبت أنها الأقل إرهاقًا، وتضمنت توزيعهم على صفوف، يقف الرجل في الأول مباعدًا بين رجليه بحيث يقعي الآخر بينهما. قال محمد إن الحراس على الطرف الآخر من الباب الحديدي كانوا يهزؤون بعطش المعتقلين ويسخرون من رائحة الزنزانة النتنة. قضى محمد أربعة أيام محتجزًا في “معسكر عشرة ونص” قبل نقله إلى سجن رسمي، لكنه علم أن الآخرين بقوا حبيسي الزنزانة أسابيع طويلة.

كانت الزنزانات في سجن وادي النطرون، حيث أمضى الأسابيع الستة التالية، أوسع مساحة -5×10 مترات لكل ثلاثين سجينًا- وكانت ظروف السجن مقارنة مع “معسكر عشرة ونص” محتملة. الأمر الأكثر أهمية أن الزنزانة حوت ما يمكن وصفه تجاوزًا بالمرحاض. لكن المعتقلين بقوا يقتادون دوريًا خارج زنزاناتهم ويجردون من ثيابهم ويعذبون.

وضع محمد في السجن الانفرادي مرتين. “ليس للغرفة نوافذ ولا شيء بداخلها” كما أخبرني، “باستثناء آلاف الصراصير، التي زحفت فوق كل مكان في جسمي لساعات.” بقية السجناء الذين التقى بهم هناك دخلوا نظام الاعتقال الرسمي بطرق شتى. بعضهم كان محتجزًا في أقسام الشرطة لأسابيع، آخرون مثله، كانوا محتجزين لدى الأمن المركزي، أحد السجناء ادعى أنه سيق أولًا إلى سجن سري في شبه جزيرة سيناء، حيث قال إنه احتجز في زنزانة تحت الأرض طوال سبعين يومًا. أخيرًا، قدم محمد للمحاكمة وتمت تبرئته من كل التهم التي لفقها له الادعاء. لم يكن غالبية المعتقلين محظوظين مثله، فمن بين 125 رجلًا حوكموا في اليوم نفسه لم يطلق إلا سراح سبعة فقط.

ليس هناك شيء خارج المألوف في حالة محمد. الرسائل المهربة خارج السجن للصحفي المصري أحمد زياد، الذي اعتقل أثناء تغطيته تظاهرات جامعة الأزهر في كانون أول/ ديسمبر 2013، تتحدث عن تفاصيل مشابهة في الفترة التي قضاها في قسم شرطة مدينة نصر2، حيث تعرض للضرب والصعق بالكهرباء قبل نقله إلى سجن أبو زعبل. في رسالة أخرى بتارخ 19 شباط/ فبراير 2014، يصف معتقل اسمه “كريم البحيري” بإسهاب الظروف غير المحتملة في إحدى قواعد الأمن المركزي، حيث يعتدي الضباط بالضرب على المعتقلين ويهزؤون بهم ويذلونهم لمجرد التسلية وإبعاد الضجر. كما تتكرر توصيفات زنازن مرتجلة يتكدس فيها المعتقلون، ويزيد طقس مصر الحار من فظائع الاكتظاظ فيها.

في رسالة أخرى هرّبت من داخل قسم شرطة حلوان في تموز/ يوليوز 2014، يصف كاتبوها الذين أطلقوا على أنفسهم اسم “سجناء الزنزانة رقم ثلاثة” درجات حرارة بلغت 50 درجة مئوية في غرفة مساحته4×6 مترات وتحوي 60 معتقلًا. حسب معايير اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، يتوجب على سلطات السجون توفير مساحة اعتقال تبلغ سبعة أمتار مربعة لكل سجين، ولا تقل مطلقًا عن أربعة أمتار مربعة بحد أدنى. في “الزنزانة رقم ثلاثة”، احتجز ستون معتقلًا في مساحة مناسبة لما بين ثلاثة إلى ستة سجناء، وفي حالة محمد.ب لما بين اثنين إلى أربعة سجناء.

في أواخر عام 2013، اختطف البلطجية (مصريون مدنيون تستأجرهم الدولة وتسلحهم وتستخدمهم غالبًا ضد المتظاهرين) إسلام.أ، وهو مهني تسويق رقمي، من مظاهرة ضد الحكومة وجروه إلى عمارة في مجمع سكني قريب. “حاولتُ أن أحاورهم بالعقل” قال إسلام. “قلت لهم إنكم تؤيدون الحكومة وأنا لا أؤيدها. في رؤوسنا عقول وفي أفواهنا ألسنة، ونستطيع أن نناقش هذه القضية كبشر. لم يكترثوا حتى بالرد علي. اكتفوا بضربي” قال إسلام الذي أغمي عليه من شدة الضرب ونزف الجروح التي أصابته بمُدَى طويلة كالسيوف في أماكن مختلفة في جسده، ولا يزال يحمل ندوبًا كثيرة على صدره وكتفيه. كان شبه فاقد الوعي حين وصل ضابط بزي مدني لاعتقاله رسميًا.

“بحر” من رجال الأمن المركزي كانوا بانتظاره خارج البناء، وانتهى به المقام هو أيضًا في “معسكر عشرة ونص” -“الجحيم الحقيقي”على حد وصفه- حيث احتجز لمدة خمسة أسابيع مع 61 معتقلًا آخر في زنزانة مساحتها 4×6 مترات. حقق معه مرارًا ضباط من جهاز الأمن الوطني، الذين كانوا على ما يبدو مقتنعين تمامًا بأنه أحد قادة المظاهرة التي شارك واعتقل فيها. استجوبه ذات مرة ضابط كبير في حين شكل ثمانية من عناصر الأمن المركزي دائرة حوله وضربوه. في مناسبة أخرى جرد من ملابسه وأجبر على الاستلقاء ووجهه للأرض مع عشرة معتقلين آخرين بينما قام رجال الأمن المركزي بسكب مياه جليدية عليهم.

كان السجناء أحيانًا يخرجون من زنزاناتهم ويخضعون لأوضاع مجهدة تعرف باسم “الفلقة”، حيث تربط أقدام الضحايا إلى عمود خشبي ويضرب باطنها بالعصي. هنا أيضًا، لا تعتبر تجارب إسلام خارج المألوف، فعشرات المعتقلين تحدثوا عن اقتحام رجال الشرطة وضباط الأمن المركزي الزنزانات وضرب السجناء بالهراوات، أو حرق ملابسهم وبطانياتهم أمام أعينهم. كما وصف آخرون ربط حبل حول أعناقهم وجرهم من زنزاناتهم لصعقهم بالكهرباء.

** ** **

يحرم القانون المصري التعذيب بـ”كافة أشكاله”. القرار الوزاري رقم 668 لعام 2002 ألغى رسميًا عقوبة الجلد. كما تنص المادة 27 من لوائح السجون على وجوب أن يقوم طبيب بفحص السجناء، عند وصولهم أو صبيحة اليوم التالي، لتوثيق حالتهم الصحية. لكن، القانون نادرًا ما يطبق. أوضاع السجون المصرية مروعة، والعواقب الوخيمة واضحة للعيان. فبالمقارنة بين إحصاءات هيئة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل ذاتها وإحصاءات المنظمات غير الحكومية، بما فيها وفاة 37 سجينًا في سيارة شرطة داخل سجن أبو زعبل في شهر آب/ أغسطس 2013، يمكننا القول إن 150 شخصًا على الأقل لقوا حتفهم وهم قيد الاعتقال الرسمي في السجون المصرية منذ بداية الانقلاب، في حين يستحيل إحصاء عدد الذين قضوا في السجون غير الرسمية.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية أعدادًا لا حصر لها من حالات التعذيب، حيث يتم التحقيق بشكل منهجي مع السجناء وهم معصوبو الأعين، أو يتعرضون للصعق بالكهرباء على الخصيتين، لانتزاع اعترافاتهم؛ وفي إحدى الحالات وضعت امرأة حامل مولودها في السجن وهي مكبلة اليدين.

يكاد الأمن المركزي أن يكون متحررًا كليًا من الرقابة العامة، والجيش المصري أقل عرضة حتى للمساءلة. أفظع شهادات التعذيب تأتي من مرافق عسكرية، مثل سجن العزولي بالإسماعيلية، وسجن عجروط في السويس، ومركز قيادة الكتيبة 101 في العريش. ادعى أحد معتقلي سجن العزولي في رسالة بتاريخ 24 آذار/مارس 2014 أنه لا يسمح له بالدخول إلى المرحاض إلا مرة واحدة في اليوم، قبل الفجر؛ وأن المعتقلين يعذبون بالماء المغلي، بل حتى الزيت المغلي أحيانًا، وأنه سمع صراخ النساء مرارًا في مكان ما داخل المعتقل.

وتصف الرسائل وحكايا الناجين ثلاثة طوابق محددة ومميزة في هذه المعسكرات: الطابق الأول مخصص للسجناء العسكريين المعتقلين بشكل قانوني. الطابق الثاني معروف باسم “طابق المحاكمات”، ويحوي سجناء مدنيين يمثلون أمام محاكم عسكرية. أما الطابق الثالث -طابق التحقيقات- فيأوي المواطنين الذين “اختفوا”.

سجناء الطابق الثالث يعتقلون لمدة تصل إلى ستة أشهر، ويظلون أحيانًا معصوبي الأعين طوال فترة احتجازهم، ثم يرسلون إلى سجن رسمي -غالبًا بجروح بليغة- مرتدين الملابس نفسها التي اعتقلوا بها، وحاملين أوراقًا بتواريخ اعتقال مزورة. طبعًا، من غير القانوني اعتقال مدنيين داخل سجن عسكري، لكن المساءلة في كل الأحوال صعبة على اعتبار أن حتى وجود معتقل العزولي أو عجروط غير معترف به رسميًا أصلًا. تحتجز في مثل هذه المواقع أعداد غير معروفة من السجناء، الذين يتعرضون لاعتداءات جنسية عقابية، ويعلقون من السقوف والأبواب والنوافذ، ويتعرضون للإيهام بالغرق، وتحرق أجسادهم بالسجائر. وتظهر الأبحاث الميدانية لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن 820 قضية مدنية أحيلت إلى المحاكم العسكرية في الفترة ما بين بداية تشرين الثاني/ نوفمبر ونهاية كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي.

** ** **

لعله من غير المستغرب أن يصل القمع إلى هذه المستويات. فقد شهدت السنوات الأربع الماضية قيام محاولة ثورة، فشلت وأفسحت الطريق لنظام أعاد تشكيل ذاته، بقيادة بعض أكفأ شخصيات الحرس القديم وأكثرها حيوية، واعتقل مجلس عسكري الرئيس المنتخب، وعلق الدستور، واعتقل الكتاب، وطارد مجموعات حقوق الإنسان، وارتكب مذابح دموية بحق المتظاهرين. إن أي نظام بهذه المواصفات لابد وأن يسيء معاملة سجنائه، لكن ما يحدث على أعلى مستويات الدولة المصرية يشير إلى أن ثمة أجندة محددة يجرى اتباعها منهجيًا.

أحد أول الأمور التي قام بها السيسي بعد إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة استعادة الرئاسة في تموز/ يوليوز 2013، كان تعيين جنرال عامل رئيسًا لجهاز المخابرات. ويشتهر الجنرال محمد فريد التهامي بكرهه الشديد لجماعة الإخوان المسلمين، وتعاطفه مع المخابرات العسكرية الإسرائيلية واتصالاته معها، وولائه الشديد للسيسي والمجلس العسكري للقوات المسلحة.

وعلى الرغم من أن التهامي أحيل إلى التقاعد بعد ذلك، فإن تعيينه كان نذيرًا بسلسلة ترقيات طالت باقي الموالين ومخضرمي المخابرات العسكرية الذين مكنوا السيسي -وهو نفسه رئيس سابق للاستخبارات العسكرية- من إحكام سيطرته على الجيش أولًا، ثم على باقي أجهزة الدولة الأمنية. ركز السيسي سلطة النظام الجديد في مؤسسة الرئاسة وحاشية صغيرة من كبار الجنرالات، بحيث أصبح من الشائع وصف نظام السيسي خارج مصر بأنه عودة لأيام حكم مبارك. لكن، السيسي لا يقنع بمجرد إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقًا، فهو يسعى إلى الجائزة الأكبر: استعادة مكانة الجيش باعتباره المؤسسة المركزية لسلطة الدولة، التي يتربع هو نفسه بلا منازع على قمتها.

تشير التسجيلات الهاتفية التي تسربت مؤخرًا بين الجنرال ممدوح شاهين، الشخصية البارزة وواسعة الصلاحيات في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والجنرال عباس كامل، رئيس مكتب السيسي، في شباط/ فبراير الماضي، إلى مدى سلطة العسكر وتأثيرهم حتى على إقطاعية وزارة الداخلية الفاسدة. وتكشف التسجيلات أن شاهين اتصل بوزير الداخلية محمد إبراهيم لمناقشة موضوع إعادة تصنيف المنشأة العسكرية التي يعتقل فيها مرسي (ربما قاعدة أبو قير البحرية).

أراد شاهين إعادة تصنيف المنشأة واعتبارها سجنًا رسميًا لتفادي أية مشكلات ممكنة أثناء محاكمة مرسي، فأذعن الوزير وأرسل شاهين إعلانًا رسميًا إلى إبراهيم ليوقعه. هذا لا يعني أن وزارة الداخلية خضعت تمامًا؛ إذ لا يزال ثمة تنافس بينها وبين مؤسسة الجيش، مع أن نفوذ الأخير في صعود واضح.

وسع السيسي صيغته الخاصة بمنطق التنظيم العسكري وإدارته، بحيث شملت تقريبًا كل جانب من جوانب الدولة المصرية. في الوقت الحالي، ثمة دائرة واسعة من مناصب الدولة العليا يحتلها أو يسيطر عليها جنرالات عاملون أو متقاعدون، وبالكاد يرجح أن يكون المشرف على بناء الطرق أو تجميع الإحصاءات الحكومية أقل خضوعًا من الجندي لأوامر جنرال. حتى الجامعات، التي تؤوي آخر مظاهر المعارضة، تحولت إلى مجمعات فائقة الحراسة يقال فيها الأساتذة المتهمون بـ”المشاركة في النشاطات السياسية”، ويخضع الطلاب لمراقبة ضباط المخابرات وقوات الأمن. “زوار الليل” -ضباط المخابرات الذين يلاحقون المعارضين وغيرهم ويرهبونهم بمداهمات منتصف الليل- عادوا أيضًا للظهور مجددًا.

إن إدارة السيسي بمركزيتها الشديدة وعدم احترامها الرأي العام المصري أكثر استبدادًا من إدارة مبارك حتى في أوج تجاوزاتها القمعية.

ينظر العسكر إلى الرجال والنساء، بل حتى الأطفال، الذين يجدون أنفسهم قيد الاعتقال -سواء كانوا منتمين إلى تنظيم الإخوان المسلمين، أو مجرد طلبة أو نشطاء عماليين أو اشتراكيين أو عاطلين عن العمل يتظاهرون احتجاجًا على سوء أوضاعهم- باعتبارهم “محاربين أسرى” في عالم لا وجود فيه لأعراف جنيف ومواثيقها. وهذا تحديدًا جوهر الدكتاتورية العسكرية: رؤية الدولة والشعب الذي تحكمه كجيشين متحاربين، الأول أفضل عدة والثاني أكثر عددًا، مما يجعل الوحشية نهجًا لابد منه. وهذه تحديدًا رؤية السيسي وجماعته، مما يفسر الزيادة الهائلة في ممارسات التعذيب في مصر.

تقول عايدة سيف الدولة، أستاذة الطب النفسي في جامعة عين شمس ورئيسة مركز الإصلاح وإعادة التأهيل:

“يعذَبُ المحتجزون فور اعتقالهم، ثم يعذبون في قسم الشرطة، وأحيانًا من قبل رجال المخابرات، ثم يعذبون حين يصلون إلى السجن، رسميًا كان أم غير ذلك. ويعذبون أيضًا داخل السجن، ويعذبون إذا خططوا لإضراب عن الطعام، ويعذبون إذا اعتقد الضباط أنهم يدبرون مكيدة ما في جولة الزيارات القادمة”.

“في هذه المرحلة”، علق أحد النشطاء المخضرمين: “مصر كلها سجن حراسه العسكر”.

سجون مصر في الحقيقة أشبه ما تكون “بعالم مصغر عن المجتمع الأوسع” تقول ديانا الطحاوي، العضو السابق في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. المعتقلون الأفقر يعانون بعض أسوأ أشكال العسف وسوء المعاملة، وكثيرًا ما يعملون لصالح السجناء الأغنى لشراء حق الحصول على بعض التحسينات الطفيفة في أوضاعهم، تمامًا كما يفعلون حين يكونون أحرارًا. أما النساء اللاتي يواجهن التحرشات الجنسية المزمنة ويتعرضن للاعتداء في شوارع المدن الكبرى، فيجدن هذه الأوضاع تتكرر -بشكل مكثف- لدى احتجازهن في مخافر الشرطة أو معتقلات الأمن المركزي. السجناء الأثرياء أو المشهورون أو “من لهم واسطة وعلاقات” عادة ما يتلقون معاملة أفضل من قبل الحراس، علاوة على الأغذية الأجود والعناية الصحية الأفضل.

في الفترة الأخيرة، حظيت محنة صحفيي قناة الجزيرة الثلاثة باهتمام كبير، بعد أن حوكموا وأدينو في حزيران/ يونيو الماضي، وأطلق سراح أحدهم (بيتر كرستي) مؤخرًا. “من بين كل الأحداث التي جلبت العار لحكام مصر”، جادل مقال افتتاحي في صحيفة ديلي تلغراف، “فإن المحاكمة الهزلية وإدانة” هؤلاء الصحفيين، كانت “من بين أكثرها فضيحة وفظاعة”. لكنّ أمورًا أسوأ بكثير تحدث كل يوم لأناس قد لا تُعرف أسماؤهم أبدًا. الدولة المصرية تطلب الإذعان: “الأمن” هو كل ما يهمها، وكل من تعتقده تهديدًا للأمن المدني تقتلعه من بين السكان وتعتقله وتعاقبه بطرائق تعذيب خيالية لترهيب الباقين خارج القفص. أما أولئك الذين حلموا قبل أربع سنوات بمجتمع جديد، وليسوا أنفسهم بعد وراء القضبان، فقد أذعن معظمهم لكسل الهزيمة وخمولها.

———
نقلا عن (التقرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …