‫الرئيسية‬ ترجمات ودراسات “عاصفة الحزم”.. استعادة التوازن المفقود مع إيران
ترجمات ودراسات - مارس 27, 2015

“عاصفة الحزم”.. استعادة التوازن المفقود مع إيران

قرار الحرب الذي تتخذه أي دولة، يكون له غالبا هدف استراتيجي لاحق وممتد للضربات العسكرية، وفي حالة “التحالفات العسكرية” بين أكثر من دولة، والتي تستهدف بالمقابل “تحالفات أخري”، لا ينظر لتداعيات قرار الحرب وحده، ولا النتائج الحربية الناتجة عنه، بقدر ما ينظر لنتائجها الاستراتيجية.

من هذا المنظور لا يمكن النظر إلى العملية الحربية “عاصفة الحزم” التي بدأت بقيادة السعودية و4 دول خليجية (ليست من بينها سلطنة عمان)، وخمس دول أخري (مصر والمغرب والسودان والأردن وباكستان) على أنها مجرد “عملية عسكرية” عربية لردع انقلاب الحوثيين فقط، وإنما كعملية أو بداية لهجوم استراتيجي – عربي لأول مرة منذ سنوات -لاستعادة توازن كان مفقودا في مواجهة إيران.

ولهذا يمكن القول – بحسب الخبير الاستراتيجي طلعت رميح -أنها “معركتان لا معركة واحده، او هي معركة في اتجاهين”، ولكن المعيار الحقيقي والانتصار الفاعل هو في ضبط وتحديد اتجاه المعركة استراتيجيا.

والأهم أن مثل هذه الضربات الاستراتيجية، يكون لها غالبا تأثير مستقبلي على موازين القوي في المنطقة ككل وتبدل حسابات قائمة أو كانت إيران تسعي لترسيخها على الارض، ولهذا وصفها وضاح خنفر رئيس قناة الجزيرة السابق بقوله: “هي بالفعل عاصفة استراتيجية إن تواصلت فستؤثر على موازين القوى في المنطقة، وحسابات كثيرة ستتغير”.

فقد تمادت إيران في إهانة السعودية والعرب، واستمرار عاصفة الحزم لا قصرها على مجرد ضربات جوية – وهو ما يبدو من سياق التحركات البحرية والبرية الأخرى – هو وحده الذي سيضطر إيران لتعديل حساباتها، خاصة أن الضربات لم تنتظر توقيع إيران اتفاقها النووي مع الغرب، ومن ثم الحصول على مزيد من القوة والاستقواء علي الخليج.

ولا ننسي هنا أن قرار إعلان الحرب ضد الحوثيين، إن لم يكن اتخذ في أمريكا، فهو أحرج أوباما وقد يجبره على التخلي عن إيران كشريك مستقبلي لإدارة الأقليم بعد أن اثبت العرب أنه بإمكانهم التصرف بدونه، كما أن إيران قد تكون مستعدة أن تبيع الحوثيين وغيرهم مقابل التوصل لاتفاق نووي يشرع وجودها كقوة إقليمية أولا، بما يسمح لها بمحاولة تعويض خسائرها الاستراتيجية في اليمن لاحقا.

فأمريكا بعد صمتها عن الحوثين وإيران أصبحت تؤيد الهجوم، وربما هي تعتبره أيضا (عاصفة الحزم) ورقة في الضغط علي إيران في المفاوضات النووية، كما أن هناك أنباء عن حصول السعودية على معلومات استخبارية أمريكية لتنفيذ هذه الضربات الدقيقة ضد الحوثيين.

وقد ذكر البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أجاز تقديم مساعدة لوجستية ومخابراتية لدعم العملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن لدحر مقاتلي جماعة الحوثي، وأضاف في بيان: “في حين أن القوات الأمريكية لا تشارك بعمل عسكري مباشر في اليمن دعما لهذا الجهد فإننا نؤسس خلية تخطيط مشتركة مع السعودية لتنسيق الدعم العسكري والمخابراتي الأمريكي”.

ولا شك العمليات الحربية العربية ضد الحوثيين تستفيد من التحرك بدعاوي دعم حكم رئيس شرعي منتخب ديموقراطيا (هادي) ووضع هدفها في “دعم الشرعية والحوار والتوافق الوطني”، بعدما استحوذ الحوثيون على كل اليمن تقريبا وسعوا لاحتلال باب المندب والجنوب كله.

كسر الحصار الإيراني

كان من الضروري أن تسعي السعودية تحديدا لهذه “العاصفة” لكسر الحصار الإيراني الذي أحكم قبضته من الجبهة العراقية (شمالا) وكاد أن يطبق الحصار من الجبهة الجنوبية (اليمن)، خصوصا في ظل تصريحات قادة إيرانيين عن “التمدد” داخل السعودية قريبا.

كما أن السعودية تنظر إلى الحصار الإيراني لها كجزء من لعبتها الاستراتيجية للتمدد في المنطقة العربية وتحركها لدعم الحوثيين على أنهم جناح إيراني مثل حزب الله يقف على حدودها الجنوبية ويهددها، ولأن إيران لديها أدوار في سوريا ولبنان والعراق تصب في ذات التمدد المقصود على حساب الامن القومي العربي.

فالهجمة الايرانية على الجناح الشرقي للسعودية عبر الحوثيين كان هدفها إكمال مخطط حصار الخليج من جهة، وحصار الامة العربية ككل عبر الوجود الصهيوني في الغرب، والإيراني والشيعي في الجنوب والشمال، ولهذا كانت المواجهة الحاسمة مدخلا لخلخلة هذا الحصار من كل الأطراف، ومن ثم استعادة التوازن المفقود مع إيران، ولاحقا مع الدولة الصهيونية التي تمددت بدورها في ظل العزوف العربي عن دعم القضايا العربية وقضية فلسطين عسكريا.

فقد نجحت إيران في الأونة الأخيرة في تشكيل منظومة من التحالفات الدولية ولعب دور إقليمي قوي تدعمه وتضغط به لأجل القبول بها وبخططها في المنطقة، سواء كان التحالف مع قوي شيعية موالية لها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، أو عبر التحالف مع قوي دولية مثل روسيا والصين وحتى أمريكا (بعد مفاوضات الاتفاق النووي) لتعظيم مصالح كل طرف وتقسيم كعكة المنطقة.

ولهذا كان لابد من تحرك مضاد تقوده السعودية – أبرز المتضررين – لحصار مصادر القوة الايرانية في الإقليم، ولا يستبعد أن تشارك تركيا في هذا التحالف عبر هجمات مشابهه قريبا في سوريا لحسم التدخل الإيراني هناك، وتقديم واجب النصرة للثوار السوريين السنة خاصة مع بدء تجميع قوي معارضة سورية سنية في جبهة واحدة.

كما نجحت طهران في تحقيق عدة مكاسب عسكرية واستراتيجية في أقاليم الشرق الأوسط، ما أجبر الغرب علي التعامل معها مهينة في المنطقة، ومحاولة تحجيمها عبر الاتفاق النووي، لتقليل أضرار استقواءها بالقوة النووية، وسعت لتشكيل فيالق عسكرية غير نظامية كأذرع خارجية تهدد كيانات الدول واستقرار الحكومات غير الموالية لها او المقاومة لنفوذها ودورها، وطورت استراتيجيات تلك الفيالق حتي أصبحت مرتبطة بالقوات الإيرانية.

وبات قاسم سليمان يقود المعارك مباشرة وبشكل علني في العراق وسوريا، وانتقلت ايران بالتالي من مرحلة إخفاء تعاونها مع أذرعها العسكرية إلي دعمها مباشرة وتعيين قواد عسكريين إيرانيين لقيادة عملياتها على الارض العربية.

والأخطر أن أراء فقهية شيعية مصدرها إيران أخذت في الانتشار في المنطقة تعتبر أن ما يحدث هو تسريع لعودة “الامام الغائب” أو كما يسميه البعض “سيناريو نهاية العالم”، واعتبارهم وفاة الملك السابق عبد الله، وانتصارات الحوثيين وشيعة العراق جزء من هذا السيناريو.

وساعد طهران على النجاح في هذه التحركات انشغال دول الخليج بتحديات اخرى دون تحديد صحيح لطبيعة اولوية التحدي الإيراني، وانشغال الدول العربية بتداعيات الربيع العربي تارة، ثم الثورات المضادة علي الربيع العربي تارة أخري، واختلاف الأولويات، وأخطاء قيادات عربية وخليجية قدمت ما أسمته “خطر التطرف السني” – الذي قصد به الاخوان المسلمون مع داعش – على خطر “التطرف الشيعي”، أي غياب رؤية استراتيجية واضحة.

كما ساعد هذا على “ميوعة” وعدم وضوح في الموقف الأمريكي والغربي، فالغرب يلعب بالورقة الرابحة، وكانت هذه الورقة أمامه – في ظل الضعف وعدم الحسم العربي – هي الورقة الإيرانية، حتى أصبح الخليج يتابع بحيرة الحجم المتنامي لتلك التحالفات الايرانية الغربية التي تؤثر سلبا على الأمن الخليجي والعربي.

ويبدو من حجم القوات السعودية المشاركة بالعملية في اليمن، بحسب العقيد الأمريكي المتقاعد، ريك فرانكونا، محلل الشؤون العسكرية في قناة CNN-أن “هناك تحرك عسكري واسع وطويل، للتعامل مع أخطاء الحوثيين وداعش والقاعدة، لأن المملكة لا يمكن أن تقبل تمدد إيران على حدودها الجنوبية كما يحدث بحدودها الشمالية”.

إذ يوجد 150 ألف جندي سعودي على أهبة الاستعداد للمشاركة بالعملية، إلى جانب مائة طائرة مقاتلة، بالإضافة إلى عشرات الطائرات من الإمارات والكويت وقطر والبحرين والأردن ومصر وباكستان، ما يشير لحرب طويلة الأمد، وأنها عملية كبيرة، والغارات مجرد بداية لتدمير الدفاعات الحوثية ومن ثم إفساح المجال للتقدم البري، في ظل تحرك قطع بحرية مصرية وباكستانية بالفعل لحصار الحوثيين بحريا ومنع مدم بسلاح إيراني عبر البحر.

حيث أعلنت وزارة الدفاع الباكستانية رسميا: “أمرنا غواصاتنا بالسير نحو بحر العرب ومضيق هرمز واي اعتداء على السعودية هو اعتداء على باكستان”، فيما قال مصدر عسكري مصري لوكالة رويتر أن “مصر شاركت في الحملة التي تقودها السعودية في اليمن بقوات بحرية وجوية”.

كما أن رد الفعل الشعبي الداخلي والمظاهرات في مأرب وتعز المؤيدة للضربات الخليجية، مؤشر علي تعبئة داخلية من اليمنيين والتيار السني (إخوان حزب الاصلاح وغيرهم من القوي الثورية)، لدعم التحرك العسكري الخارجي، إذ يبقى الدور على القوى الوطنية والاسلامية اليمنية، لحسم الصراع داخليا، سواء بتجميع قواها في منطقة محددة والتحرك لتوسيع اعمال الحشد والتعبئة وبدء الهجوم على الارض في مواجهة الحوثيين والموالون لهم أو في محاولة منع حرب أهلية، والتركيز علي وأد “الانقلاب” الحوثي وعودة الشرعية، التي نتجت عن ثورة الربيع اليمنية.

وربما لهذا يجري الحديث عن تدخل بري عربي أيضا عبر الجبهة السعودية أو الجبهة الجنوبية (باب المندب)، عبر حشد قوة عسكرية يمنية وعربية للعمل على الأرض، وهذا التدخل البري لن يأتي غالبا إلا بعد اكتمال بناء تلك القوة من اليمنيين وحلفاؤهم العرب مثل مصر والسودان والمغرب، في ظل تقسيم الأدوار بين دعم جوي أو بحري أو بري.

ويبدو أن اليمنيين بدأوا بالفعل زمام المبادرة بعدما تحركت قوات موالية للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي واستعادت مدينة “الحوطة” عاصمة لحج الجنوبية، وقتلت عددا من مسلحي الحوثي، بحسب مصادر عسكرية يمنية.

أوراق طهران في مواجهة العاصفة العربية

يبدو أن طهران فوجئت بـ” عاصفة الحزم” وأن هذا شكل فشلا ذريعا للمخابرات الإيرانية التي تلقت صفعة كبرى وتفاجأت بهذا الهجوم الواسع بعدما توقعت أن تصمت الدول العربية وتكتفي بالشجب أو التهديد، وبعدما حركت أذرعها العسكرية (الحوثيين) للاستيلاء علي باب المندب والجنوب اليمني أيضا لبسط سيطرتها علي كامل اليمن.

ويظهر هذا من الارتباك الإيراني وتصريحاتهم التي تشير لتفاجئهم، ومن ثم قصر الحديث على ضرورة وقف الضربات واللجوء للحل التفاوضي السلمي.

حيث اكتفت الجمهورية الإسلامية بإدانتها الضربات الجوية السعودية على الميليشيات الحوثية، واكتفى رئيس لجنة الأمن القومي في إيران بالتهديد– مثل الحوثيين- أن “نار الحرب على اليمن سترتد على السعودية”.

ونددت وزارة الخارجية الايرانية بالغارات الجوية بقيادة السعودية التي استهدفت اليمن “وتسببت بسقوط ضحايا من المدنيين”، واصفة هذا الهجوم “بالخطير والمغاير للقوانين والأعراف الدولية في احترام السيادة الوطنية للبلدان”، حسب ما أفادت وكالة فارس الإيرانية للأنباء.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية “مرضية أفخم”: إن استخدام الخيار العسكري في اليمن الذي يشهد أزمة داخلية وحربا على الإرهاب “من شأنه أن يزيد من تعقيد الأمور واتساع رقعة الأزمة، وإنهاء فرص التوصل لحلول سلمية للخلافات الداخلية في اليمن”.

وأعربت عن بالغ قلقها من تزايد النشاطات الإرهابية في اليمن، بزعم أن أبرز تداعيات هذا الهجوم العسكري على اليمن ستكون “اتساع رقعة الإرهاب والتطرف لتشمل مناطق أخرى في المنطقة”، في إشارة إلى أن هذا يصب في صالح تنظيم القاعدة في اليمن.

وحذر رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي السعودية من “عواقب خطرة” لتدخلها العسكري في اليمن، داعيا الرياض إلى إنهاء عدوانها بأسرع وقت، وحل الأزمة اليمنية بالطرق السياسية.

وقال بروجردي: إن نار الحرب على اليمن سترتد على المملكة العربية السعودية، معتبرا أن “إشعال النار هذا لا شك سيترك عواقب خطرة، وأن العالم الإسلامي سيتعرض لأزمة كبيرة؛ نظرا لحساسية هذه المنطقة”.

ويمكن إجمال احتمالات الرد الإيراني على النحو التالي:

1- التصعيد ضد هذا التحالف، عبر مد الحوثيين بالسلاح – رغم صعوبة هذا من خلال الحصار البحري العربي والباكستاني لموانئ اليمن – مع ما قد يترتب على هذا من مخاطر توسع الحرب إلى حرب إقليمية لو اشتبكت قوات بحرية إيرانية مع بحرية مصرية أو باكستانية أو خليجية، ومحاولة دعم صمود الحوثيين لفرض حل سياسي وسطي في النهاية يضمن بقاء نفوذها في اليمن ولو نسبيا بدلا من القضاء على الحوثيين تماما وعودتهم لجبال صعدة.

2- التضحية بالحوثيين مقابل اتفاق نووي مع الغرب، يضمن لها مستقبلا قيادة الإقليم، ولعب دور نافذ في منطقة الخليج، يسمح باستعادة ما فقدته في اليمن، مع التركيز على إنجازات مقابلة على الجبهتين العراقية والسورية، لتعويض خسائر الجبهة الشمالية السعودية.

3- التصعيد عبر قلاقل واضطرابات داخل دول الخليج خصوصا في البحرين والسعودية، عبر تحريك أذرعها الدينية الشيعية هناك لإثارة اضطرابات على غرار ما حدث سابقا في البحرين، وكذا في شرق السعودية.

4- التحالف مع سلطنة عمان لتشكيل تحالف شيعي يضمن لها وجودا قويا في الخليج ويسمح بتمدده لاحقا، حيث تقف سلطان عمان موقفا معارضا لـ”عاصفة الحزم”، ودورها يبدو غامضا، مثل غموض موقفها من أحداث اليمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …