‫الرئيسية‬ أخبار وتقارير العاصمة الجديدة.. معجزة أم “فنكوش”؟
أخبار وتقارير - مارس 15, 2015

العاصمة الجديدة.. معجزة أم “فنكوش”؟

نزل مشروع الحكومة بإنشاء مدينة إدارية لمصر نزول الصاعقة على المصريين باختلاف توجهاتهم السياسية؛ حيث جاء مفاجأة للجميع، فلم يسبقه إعلان عن دراسات مسبقة، أو حتى نية في التفكير لإنشائها.

وكالعادة.. انقسمت الآراء حول المدينة، وكانت ردود الأفعال متفاوتة بحجم تفاوت استقبال المصريين لحدث مهم، كانت المرة الأولى التي يسمعون عنه مع صور توقيع العقد.

الفكرة ليست جديدة؛ حيث بدأت مع الرئيس الراحل أنور السادات الذي قرر إنشاء مدينة تحمل اسمه “السادات”؛ لتكون بديلاً إداريًّا للعاصمة، إلا أن صعوبة الوصول إلى العاصمة الجديدة، وقلة المرافق كانت أسباب عدم تحقيق رغبته الرئاسية. 

المؤيدون للمشروع الضخم يشيرون إلى أنه بوابة التقدم والتنمية الحقيقية في مصر، ونقلة حضارية تستلهم تجارب سنغافورة والصين، وستكون نسخة من دبي، إن لم تكن أفضل.

فيما يشير الرافضون إلى أن مجرد الإعلان عن مشروع ضخم واستراتيجي بهذا التسرع وعدم الدراسة أو الحصول على الموافقة الشعبية ورأي الخبراء.. أسباب كافية لفشل المشروع، إضافة إلى خطأ التركيز- مجددًا- في منطقة واحدة، وتكثيف الاستثمارات فيها دون باقي مناطق الجمهورية، متسائلين عن الأولويات التي تحكم دولة يعيش قطاع منها في العشش والمقابر ليتم عمل مشروع بها لتجميع الصفوة ورجال الأعمال في مدينة واحدة تستنزف ذلك المبلغ الكبير الذي لم يعلن أحد عن مصادر توفيره.

وتندَّر البعض بالتصريحات الحكومية التي صاحبت الإعلان المفاجئ عن إنشاء المدينة بأن الهدف منها “الارتقاء بجودة الحياة للمواطن المصري”، مطالبين بتوفير “الحياة” أصلاً للمواطن المصري قبل البحث عن الارتقاء بها. 

تفاصيل المشروع 

وتشير تفاصيل المشروع إلى أن العاصمة الجديدة تقع على الطريق بين السويس – العين السخنة، في غضون 5 إلى 7 سنوات بتكلفة 45 مليار دولار، على مساحة 700 كليو متر مربع، ويخصص جزءٌ من المساحة لبناء 25 حيًّا سكنيًّا يتسع لنحو 5 ملايين نسمة، وتوفر فرص عمل تصل إلى مليون و500 ألف.

وتضم المدينة نحو 250 كم من شبكة الطرق، بجانب بناء حقول طاقة متجددة على مساحة 91 كم، وإنشاء مطار دولي جديد بمساحة 16 كم، وتخصص مساحة 490 كم كمساحات متاحة للتطوير العمراني.

ومن المقرر أن تشمل المدينة أكثر من 4 ملايين متر مربع مساحات تجزئة قابلة للتأجير لإنشاء مراكز تجارية، بجانب بناء 40 ألف غرفة فندقية، 663 مبنى صحيًّا وتعليميًّا وجامعية ودور عبادة.

وسوف تشمل المدينة الإدارية الجديدة مبنى رئاسيًّا جديدًا وبرلمانًا ومجمعًا للسفارات والوزارات، بالإضافة إلى إنشاء مدينة “ملاهي” من المتوقع أن تكون 4 أضعاف من ديزني لاند العالمية.

ولا يخفي الكثيرون الربط بين مشروع العاصمة الجديدة ومشاريع أخرى لا تقل عنها في الأهمية، سبق أن أعلنت عنها، ثم اكتشف المصريون أنها “فنكوش”، ووسيلة لصناعة حلم وطموح زائف يتعلق به الناس، ويتعلقون- بالتالي- بالمسؤولين الذين أوقعوهم في هذا الفخ، وفقًا لرأيهم.

ومن أهم تلك المشاريع الجهاز الطبي لعلاج الإيدز وفيروس سي، والذي أطلق عليه “جهاز الكفتة”، ومشروع قناة السويس الجديدة، التي حذر خبراء من خطرها على قناة السويس القديمة، إضافة إلى مشروع المليون وحدة سكنية، والذي أعلن عن توقفه بعد تعثر الشركة الإماراتية الممولة له.

مش بنعمل شغلنا كده!

كما أثارت طريقة تحديد مدة تنفيذ المشروع سخرية المراقبين؛ حيث سأل المشير عبد الفتاح السيسي كلاًّ من وزير الإسكان ومحمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة “إعمار” قائلاً: “قدام الشيخ محمد، عاوز أعرف احنا هنعمل الكلام ده في قد إيه”.

وأجابه “العبار” قائلاً: “لو مش هاكدب عليك هاقولك 10 سنين”، ورد السيسي قائلاً: “عشر سنين إيه أنا بتكلم بجد، إحنا ما نعملش شغلنا كده، ولا عشر سنين ولا سبع سنين”.

ورد عليه العبار قائلاً: “حضرتك تأمر بإيه؟”، فأجابه السيسي: “أأمر إنه يكون تم إمبارح، وإحنا هنساعد عشان نرحم الناس في القاهرة، واللي يهمنا المشروع ينجز في أسرع وقت واللي نقدر عليه نعمله”.

وكان الراحل الدكتور عبد العزيز حجازي، رئيس وزراء مصر الأسبق، قد أكد أن جميع المشاريع السابقة بتأسيس العاصمة الإدارية الجديدة فاشلة، مستشهدًا بمصير مدينة السادات، التي رآها فاشلة اقتصاديًّا وسياسيًّا؛ حيث لم تحقق التكلفة المرجوة أو العائد الاقتصادي المتوقع؛ بسبب عدم رغبة المواطنين بالانتقال لأماكن بعيدة نتيجة لثقافة متجذرة بداخلهم خلافًا للشعوب الأخرى، على حد قوله.

شاهد الفيديو:

إنجاز وطني

من جانبه أيد الدكتور مجدي صلاح، خبير الأمم المتحدة بمجال النقل، المشروع قائلاً: “إن إنشاء مشروع العاصمة الجديدة، على طريق السويس، سيساعد بشكل كبير في حل الأزمة المرورية داخل محافظة القاهرة، وذلك عن طريق نقل معظم السكان خارج نطاق القاهرة، ولكن بشرط تزويد المشروع بالخدمات، ووسائل مواصلات سريعة”.

وأكد المستشار فؤاد حامد الخبير الاستثماري أن “التخلي عن القاهرة كعاصمة إدارية يعود الى الاختناق المروري والازدحام السكاني الذي لا يحتمل في القاهرة؛ مما يستدعي نقل كافة المؤسسات الحكومية والرسمية إلى المدينة الجديدة العصرية التي ستستوفي كل معايير الحداثة والتطور المعاصر وتساعد على خلق مناخ إداري كفؤ”.

وأضاف حامد قائلاً: “لن تتحمل الدولة تكاليف هذا المشروع الضخم، وعملية تمويله ستكون من الشركات الخاصة من المتعهدين والمستثمرين الأجانب والتي ستقوم الحكومة بمنحهم فرصًا استثمارية كبيرة في مصر”، وقال: “لن تتحمل الحكومة تكلفة مشروع ضخم كهذا؛ نظرًا لمرور مصر مراحل هيكلة الاقتصاد وإصلاحه وتكييف الميزانية مع هذا الإصلاح”.

التخبط مستمر 

واستنكر الدكتور خالد فهمي، أستاذ ورئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية في القاهرة، طرح الحكومة لهذا المشروع، مشيرًا إلى أنها بذلك تغير من طبيعة البلاد، وتاريخها، وجغرافيتها، وسياساتها، واقتصادها دون مداولة أو دراسة أو مناقشة.

واتهم د. فهمي الحكومة بالتخبط في التعامل مع المشاكل التي يعاني منها الشعب المصري، متسائلاً: “كيف ستخفف هذه الخطوة من معاناة المواطنين؟ هذه المؤسسات الحكومية، ألا يتردد عليها المواطنون لقضاء مصالحهم؟ هل ستنتهي هذه المصالح إذا انتقلت الحكومة للصحراء؟ ألن تزيد هذه الخطوة من معاناة المواطنين الذي سيضطرون للسفر مسافات طويلة لقضاء مصالحهم الضرورية”؟ واستطرد قائلاً: “أم أن المقصود من هذه الخطوة الخطيرة ليس إنهاء معاناة المواطنين بل تقليل معاناة المسئولين الحكوميين وموظفي الحكومة؟ وإذا كان الأمر كذلك هل يستحق هذا الهدف التقليل من معاناة الوزراء وحل مشاكلهم الأمنية كل هذه المبالغ الطائلة؟

وطالب فهمي بتوفير التكلفة الباهظة للمشروع للإنفاق على العاصمة الموجودة بالفعل والمدن الأخرى في الوادي والدلتا؛ وذلك من أجل تحسين المواصلات العامة أو حل مشكلة السكن، أو الارتقاء بالصحة العامة، بدءًا من تطوير شبكة الصرف الصحي وليس انتهاءً بمشكلة جمع القمامة في المدينة أو تحسين مستوى المعيشة والقضاء على العشوائيات.

كما تساءل قائلاً: “هل أجرت الحكومة دراسة تقارن بين جدوى بناء عاصمة جديدة وجدوى صرف هذه الأموال الطائلة (التي لن أتساءل عن مصدرها) للتصدي لمشكلة الصرف التي تهدد الدلتا برمتها والتي رفعت من مستوى المياه الجوفية فيها وزادت من ملوحة الأرض الزراعية وأضعفت إنتاجية الفدان”؟

وتابع:” أيهما أفضل: صرف الـ٥٠٠ مليار جنيه لبناء عاصمة جديدة في الصحراء مقابل صرف نفس هذا المبلغ للارتقاء بالعاصمة الموجودة بالفعل، قد يكون من المفيد أن نعقد مقارنة مع دول أخرى نقلت عاصماتها لمدن جديدة تفاديا لمشاكل المدن القديمة (وتقفز للأذهان تجربتي أنقرة وبرازيليا مع العلم أن أنقرة لم تُستحدث، بل كانت مدينة ذات ماضٍ عريق). ولكن لماذا نذهب بعيدا، ولنا هنا في مصر، في القاهرة، دروس نتعلم منها”.

بين المجاري وناطحات السحاب!

وتهكم الدكتور حازم حسني، استاذ العلوم السياسية من طرح مشروع العاصمة الجديدة، في اليوم الأول من فعاليات المؤتمر الاقتصادى المنعقد فى شرم الشيخ، واصفًا طارحي المشروع بـ”الفلسفنجي لما يتفشخر”. 

وقال حسني، في تدوينة له عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: “أسخف فقرات اليوم الأول من مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي هي فقرة عرض مشروع العاصمة الجديدة للبلاد، بلاد غارقة في المجاري وفي الظلام وفي تلال من المشاكل الحياتية البسيطة تفكر في إقامة مدينة ناطحات سحاب، بها أكبر مدينة ملاهٍ وأكبر حديقة فى العالم، إلى آخر هذا الشرود البذخي خارج السياق مما أضحك علينا بكل تأكيد كل الوفود الأجنبية، لا لأننا نحلم، ولكن لأننا لا نعرف الفرق بين الحلم وبين التخريف”. 

وأضاف حسني: “نعم، هو تخريف لأسباب كثيرة أقلها شأنًا هو التكلفة الباهظة للمشروع، فمشروع العاصمة الجديدة هذا كانت قد بدأته أمانة السياسات، وتطوع بعض رفاق جمال مبارك بالحديث عنه فى العلن قبل أن يغلق مبارك الأب الملف ويمنع دراويش المشروع الاستفزازى من الحديث عنه”.

وتابع: “لكن دعونا من أن المشروع يحيى تطلعات فيالق النيوليبرالية المصرية التي ثار عليها المصريون كونها لا تستقيم وواقع الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في مصر، فالدستور المصرى ينص على أن مدينة القاهرة – لا محافظة القاهرة – هي عاصمة البلاد، ولا يستقيم مع العقل السوي أن نمد هذه “المدينة” من ضفاف النيل حتى شواطئ البحر الأحمر لنتحايل على الدستور”.

وانتقد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تأسيس عاصمة إدارية جديدة في هذا التوقيت، نظرًا للمشاكل التي يعيشها الاقتصاد المصري، مضيفًا: “نعاني من عجز هائل في موازنة الدولة سنتغلب عليه خلال الخمس سنوات المقبلة، وفقًا لتصريح سابق لهاني قدري، وزير المالية الحالي، وهو ما يستوجب عدم الدفع بمليارات الجنيهات في إنشاء مدينة جديدة لن يكون لها أولوية أو عائد اقتصادي سريع”.

وتساءل الدكتور محمد نور فرحات، أستاذ القانون الدستوري، عن كيفية تمويل المشروع، وجدواه؛ حيث قال: “المشروع سيتكلف ٤٥ مليار دولار وهو مبلغ فلكي؛ كيف سيتم تمويله ؟ وهل سيؤثر على الموازنة العامة؟ وهل يلقي عبئًا مستقبليًّا على الأجيال الجديدة”؟ 

وتابع فرحات متسائلاً: “وهل وفقًا لمبدأ الأولويات كانت هناك أولويات أخرى أهم وأكثر جدوى؟ وهل تمت دراسة متأنية للبدائل؟ ولماذا لم يعلن عن المشروع وبدائله للمصريين أصحاب المصلحة الحقيقية في معرفة ما يخطط لبلدهم”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …