‫الرئيسية‬ مقالات نظام مفيش؟!!
مقالات - ديسمبر 21, 2014

نظام مفيش؟!!

في تصنيف علوم السياسة يقع تحت مظلتها مثلث مهم ضلعه الأول يتضمن النظرية السياسية والفكر السياسي، والضلع الثاني يتعلق بالنظم السياسية والسياسات العامة والمقارنة، أما الضلع الأخير فيتعلق بالعلاقات الدولية والسياسات الخارجية والقانون الدولي والمنظمات الدولية.

أضلاع لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتجاهل أى دارس أو ممارس للسياسة أحد أضلاع هذا المثلث أو يتغافلها لأن القيام بذلك هو قمة الغفلة، وذروة الجهل والتطفل على العلم.

هكذا تقول “العلوم السياسية” فماذا ترى “العلوم السيسية”؟!؛ التي جعلت من الكفتة منهجا ومن الفكاكة مسارا، فأدخلت في السياسة وممارستها ما ليس منها، وأقحمت الكثير مما لا يجوز فيها، واغتصبت السياسة ووأدتها بلا رحمة، ما بين الوأد والاغتصاب كانت سياسات الاستبداد وتمكين شبكات الفساد؛ إلا أننا فوجئنا في تصريحات للرئيس المنقلب يتحدث بكلام غريب قائلا “مافيش حاجة إسمها نظام، مش كل شوية يسقط نظام، فيه حاجة اسمها دولة تقف على حيلها”، هكذا كانت الطريقة السيسية في الحديث عن السياسة على هذا النحو.

وإنني كأستاذ للعلوم السياسية وأعرف للتخصص قيمته واحترامه ،ولذلك التصنيف قدره ووظيفته، فإنك إن كنت دارسا أو طالبا أو باحثا أو أستاذا في حقل العلوم السياسية يجب أن يصيبك “القرف” قبل “الحرج”، حينما يلغى مما لا ثقافة سياسية عنده ضلع النظم في مثلث العلوم السياسية الشهير، وفي مصادرة فادحة وفاضحة “للنظام” حتى يلغي أو يتجاهل كل ما يتعلق به من توابعه وملحقاته وأدواته من أشكال المعارضة وتداول السلطة والقوى السياسية المتنوعة والمتعددة وحقائق الاختلاف السياسي والحقوق والحريات الإنسانية وحريات التعبير والاحتجاج؛ كل ذلك تلغيه “العلوم السيسية” “بجرة قلم”، أسف “بجرة سلاح”، ضمن مسار أمني لا يعرف إلا توطيد مكانة الاستبداد وتمكين شبكات الفساد؛ هؤلاء أصحاب السلطة والصولجان الذين صدعوا رؤوسنا بأنهم رجال الدولة لا يتحدثون فقط إلا عن الدولة وفي واقع أمرهم وسياساتهم يهدمونها ويفككونها.

ومن هنا تهدر العلوم السيسية كل ما يتعلق بالتمييز ما بين الدولة كإطار معنوي ومادي يتسم بحالة الثبات وبين النظام الذي يتعلق بالممارسات والسياسات والمؤسسات والعلاقات، يتعلق بشكل تكوينها وطرائق أدائها وعمليات تسييرها وتحقيق وظائفها ومدى إنجازها، ومن ثم فإنها محط المتابعة والرقابة والمساءلة والمحاسبة، هذه هي النظم الراشدة حينما تملك من التمييز وتمارس كل أمر يتعلق برقابتها في مراعاتها للحقوق وإنجازها للمطالب والحاجات التي تتعلق بمعاش عموم الناس وتعاملهم.

إلا أن دولة الاستبداد حينما تخرج نظاما على شاكلتها وتتطور من “دولة عميقة” إلى “دولة قميئة” ومن “دولة غويطة” إلى “دولة عفنة” تمارس كل أمر يتعلق بالضد من وظائفها وجوهر أدوارها فإن شعارها “أنا الدولة والدولة أنا” على ما أطلقه لويس الرابع عشر، فيتماهى صاحب السلطة ومنظومة تحالفاته ومصالحه في الفساد والاستبداد مع الدولة فإذا ما انتقده أحد لوح بسلاحه وبترسانة بطشه وطغيانه وحزمة من الاتهامات وتجريمات تستند إلى قوانين مفصلة على مقاس المستبد ، اتهامات ملفقة ومحاكمات انتقائية وانتقامية في توظيف خطير ودنئ لمرفق العدالة ضمن سياسات البطش والقمع وضمن منظومة الفساد والاستبداد.

ووفق “العلوم السيسية” فإن نقد سياسات النظام أو بعض قرارات صاحب السلطة والصولجان يعني أن هؤلاء لا يبغون إلا الفتنة ولا يقومون إلا بالتحريض على هدم الدولة والنيل من هيبتها ويفككون مؤسساتها ويهدمون أركانها، هكذا تتصور وتطبق “العلوم السيسية” لتمكين استبدادها وفسادها فلا ترى الدولة إلا في “فرعون” رأس السلطة وخدمته وسدنته وبطانته من أصحاب المصالح الضيقة والدنيئة وفي سياق يتعامل مع الشعب كمادة استعمالية يوظفونه كيفما شاءوا تارة بالخنوع والترويع وتارة بصناعة التطويع وتسيير عقلية القطيع ،فتتحرك باستبدادها وفسادها في أمان من الحساب ولا تُذكر أى كلمة تمت بصلة إلى دائرة العقاب، فإذا ما انتفى الحساب فلا عقاب ،ولكنها سياسات الاستخفاف التي تحرك كل أمر يتعلق بصناعة الفرعون وتمكين خدمه وسدنته بمؤسسات فاسدة تشيع معانى الخنوع والترويع والخضوع.

ها هم خارج دائرة الحساب يخدعونك إذا ما اقترب أحد لسياج سلطانهم فيقولون أنهم ليسوا برجال دولة “نحن رجال الدولة ونحن لها” فإذا قلت لهم أن للدولة وظائف وأن أي نظام يحاسب على أدائه وإنجازه، فإنهم يدخلونك في دائرة الوهم ،هذه تصريحات كبيرهم يتحدث عن انجازات موهومة ويعد بإنجازات قادمة أكثر إيهاما ووهما ،حتى اشتهر لدى كثير من الشباب لفظ يتعلق “بمشروعات الفنكوش” إيماءً إلى الوهم الذي يصدر ويصنع لعموم الناس لتخديرهم من دون أي مسئولية عن إنجاز حقيقي وعوضا عن سؤال الناس عن الانجاز فإنه يطالبهم بالثقة ويطالبهم بالصبر.

الصبر في “العلوم السيسية” يدور حول ثلاث مقولات “مفيش”، و”عاوز”، و”مش قادر أديك” (أعطيك)، ورغم تصدير الخطاب بهذه الكلمات الثلاث التي تبث القلق لدى عموم الناس والذي يجعل معاشهم في مقام المجهول أوفي مهب الريح، وفي كل مرة ومع مرور الأيام والشهور يقول كبيرهم “اصبروا معايا عامين” وكأن ساعة الزمن لا تتحرك إنها ساعته الأوميجا التي لا تحسب حساب الناس ولا مرور الزمن ولكن تثبته وتجعله رئيسا، وكأن عداد الوقت وبعد مرور 6 أشهر “يُصَفِر” من جديد إنها سياسة “تصفير العداد” التي يتهرب بها المستبد المنقلب الرئيس من كل إنجاز أو حساب.

وإذ تعود منظومة مبارك بكل أشكالها وعنفوانها ثم يحدثنا وكأننا يجب أن نرى ما يراه ، ما أريكم إلا ما أرى، فيقول “لا يمكن لأحد أن يعود بمصر إلى الوراء”، ألست أنت القائل “لو نزل الجيش في الشوارع إنسى مصر ثلاثين ..أربعين سنة جايين”، ألا ترى كيف عادت منظومة مبارك المخلوع حتى في دولاب استشارتك وحكمك، إنها صناعة الوهم حينما تُزيف الصورة ويعلن للجميع لا ترون إلا ما أرى حتى إن كان تهويما.

وحينما يُسأل عن حقيقة الإنجاز بعد كل هذه القرارات التي طالت مساحات الفقراء والضعفاء يقوم بالتهرب إلى “البلد عايزة فلوس ومفيش حد بيقولي أجيب الفلوس منين”، وهم أخر يصنعه المستبد يحاول من كل طريق أن يعفي نفسه ويحيل كل التحديات على شعبه وهو في كل مرة حينما يحاسبه البعض ويكشفون زيف سياساته ووهن خطابه وتزوير وعوده يكرر “مفيش حد يدخل بيني وبين المصريين” أي نوع من المصريين تريد وأي شعب تخاطب ،وما هو شعبك الذي تطلب أم أن من يحاسبك فهو “إرهابي أو متخابر أو خائن أو عميل أو خلايا نائمة أو طابور خامس”، فمع ترسانة الاتهامات يريد أن يصمت الجميع وإلا أُعتقل الجميع، إنها سياسات الترويع وصناعة الخنوع، أليس هؤلاء الذين يعارضونك ويكشفون كثيرا من أمرك إلا مصريين أيضا لا يجعلونك فوق الحساب ولا يستبعدونك من دائرة العقاب.

ومن هنا إن المصريين في عرفه هم من كانوا فريسة لغسيل المخ والتطويع والسير مع القطيع وهؤلاء الذين يمررون صناعة الخنوع والترويع من مؤسسات يسميها “مؤسسات الدولة المصرية” ويعددها بـ “القوات المسلحة، والشرطة والقضاء والإعلام” كل هذه المؤسسات للأسف الشديد بعد هذا الانقلاب صارت من مؤسسات الضد تقوم بعكس مقصودها ولا تضطلع بوظائفها أو أدوارها ولكنها تسند خطة البطش والطغيان ، هكذا يرى الدولة بمؤسساتها “واقفة على حيلها”، وتناسى المستبد وربما عن عمد الشعب الذي سقط سهوا فهو ليس في حسابه ولا في اعتباره ومن ثم سقطت المؤسسة التشريعية من حسبانه، إنه البرلمان الحائر التائه “برلمان كأن” الذي يصنع الآن للقيام بوظائف الضد يسير في الركاب ويصنع القوانين لكل استبداد لا يحقق العمران ولكنه ضمن شبكة الفساد، وما تؤدى إليه من خراب، تصنيع البرلمان أخطر ما يكون حتى يوضع فيه صاحب كل مصلحة دنيئة وكل فساد أثيم فتكون المؤسسة مظلة للصفّاقة والوفّاقة والنائمين عن مصالح أوطانهم، المساندين لسلطان فرعونهم.

إنه “كتاب الفكاكة” المقرر في “العلوم السيسية” المُتبع “لمناهج الكفتة” ويلغى أبواب “النظام”، مشيرا إلى “نظام مفيش”، “ولازم دولة واقفة على حيلها”، نحن الآن في مرحلة عبث “السياسات السيسية” بعد اغتصاب السياسة وتجريفها وقتلها..”لك الله يا علوم السياسة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …