‫الرئيسية‬ مقالات عزبة المشير
مقالات - ديسمبر 6, 2014

عزبة المشير

والله العظيم، أنتم بتكسفونا، وبتصغّرونا، وبتحرجونا. والله العظيم أنا مش قادر أفهم: هل فيه حد- بيكرهكم كراهية شديدة- متسلّط عليكم، أم أنتم اللى متسلّطين على أنفسكم، أم أنتم متسلّطين علينا؟!

كُل يوم أكتب- هُنا- عن الجمهورية الجديدة، وأنها ليست امتداداً للجمهورية القديمة، وأنها لن تكون إعادة إنتاج للنظام الذى سقط. ولكنكم- بعبقرية غير مفهومة- تُكذبوننا، تُطلّعون لنا لسانَكم، تقولون لنا: هى ليست جمهورية قديمة، وليست جمهورية جديدة، هى عزبةُ المُشير، أى مُشير، وكل مُشير، المشير القديم، المشير الجديد، لا فرق.

مشهدُ المُشير القديم وهو فى كامل أناقته، وفى كامل لياقته، فى صُحبة المشير الجديد، فى افتتاح بعض المشروعات، مشهدٌ ناقِصٌ يحتاجُ إلى اكتمال.

لا يكفى أن يفرح ويبتسم المشير القديم تحت أضواء الكاميرات، ولا يكفى أن يظهر رئيس الوزراء فى الخلفية مُهمّشاً مُهملاً، لكن لابُد من الانتظار حتى نرى الدكتور أحمد فتحى سرور والمهندس أحمد عزّ يبتسمان فى حفل افتتاح البرلمان القادم، ولا ينسى سرور وعزّ أن يترحما على رفيق دربهما البرلمانى القدير السيد كمال الشاذلى، رحم الله الجميع، وأن نرى الأساتذة إبراهيم نافع وإبراهيم سعدة وسمير رجب يبتسمون فى افتتاح التشكيل الجديد للمجلس الوطنى للإعلام، وأن نرى السيد صفوت الشريف يبتسمُ فى صُحبة العلّامة النابغة عصام الأمير- رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون- فى حفل افتتاح نقابة الإعلاميين، وليس على المهندس إبراهيم محلب من حَرَج أن يدعو الدكتور أحمد نظيف ليرافقه فى تنطيطاته الميدانية هُنا وهناك. وطبعاً، من الظُّلم لأقدار الرجال أن يتغيب الدكتور زكريا عزمى عن حضور لقاء السيد رئيس الجمهورية مع شباب الإعلاميين.

المُشيرُ القديمُ طرح نفسه- بأسلوب غير مباشر- للرئاسة ذات يوم، يومها ارتدى البدلة بالصدفة، ومشى فى شوارع وسط البلد بالصدفة، وصوّرته كاميرات التليفزيون المصرى بالصدفة، وصرّح الأستاذ هيكل- فى الصفحة الأولى من الأهرام- أنه لا يجد حَرَجاً فى أن يتولى المشير القديم رئاسة الجمهورية، كل ذلك كان قد جرى بالصدفة.

من باب الأمانة، المُشير القديم وقف فى وجه التوريث وعطّله قدر استطاعته، ووقف فى وجه الخصخصة وما رافقها من نهب منظم قدر استطاعته، وأسقط شرعية مبارك عصر الجمعة 28 يناير، وقد نزلت آلياتُ الجيش مكتوباً عليها «يسقط مبارك»، وقد أنذر قائد الحرس الجمهورى من عواقب المساس بالمتظاهرين حتى لو دخلوا رُدهات القصر الجمهورى، وقد أزال صورة مبارك فى الأول من فبراير 2011م، وقد جعل من الجيش شريكاً مع الشعب فى الميدان طوال أيام الثورة.

لكن المشير القديم بقى عشرين عاماً فى منصبه وزيراً للدفاع، مثل عشرين عاماً لسرور فى رئاسة البرلمان، مثل 25 عاماً لصفوت الشريف فى الإعلام، مثل عشرين عاماً للمرحوم عمر سليمان فى المخابرات العامة، مثل قريباً من ثلاثين عاماً للإبراهيمين نافع وسعدة فى الأهرام وأخبار اليوم، مثل أربعة عشر عاماً للعادلى فى الداخلية. المشير القديم- فى التحليل السياسى- هو ابن هذه المدرسة القديمة، المدرسة السلحفائية، المدرسة السكونية الأبدية الأزلية، مدرسة الاستقرار الوهمى، مدرسة الاستمرار الخطيئة.

من حقِّ المشير الجديد- رئيس الجمهورية- أن يلتزم بأخلاق الوفاء فى علاقته مع المشير القديم، ولكن فى حدود العلاقات الخاصة والعائلية. المُشيرُ الجديد هو رئيسٌ مُنتخب، والانتخاب يترتب عليه حق الحساب والمساءلة من قِبَل الشعب الذى انتخبه، إنه ليس مُطلق السراح، وليس مُطلق الصلاحيات، بل هو يمارس سلطاته فى إطار معقد من المواءمات السياسية، فى بلد ملىء بالحساسيات الاجتماعية، وفى ظرف تكثر فيه الأسئلة التى لا جواب عليها، فى مناخ تكثر فيه الثرثرة وتقلُّ فيه الحقائق، فى مناخ تتوالد فيه الشائعات وتكثرُ فيه الأكاذيبُ وتتعقد فيه الألغازُ والأسرار.

ليس على المشير القديم من حَرَج، وليس على المُشير الجديد من غضاضة، أن يتبادلا لقاءات الوفاء، فى عِزبة هذا أو فى عزبة ذاك، إن كانت عندهما عِزَبٌ من تلك التى تتوافر للطبقة الاجتماعية المُميّزة فى بلادنا. لَكن الخطأ كل الخطأ أن يظهر الأمر كما لو كان رسالة سياسية، تكشفُ عن نوعٍ من التوريث الخفىّ، توريث من أب- بالتبنى وليس بالصُّلب- إلى ابن بالتبنى وليس بالصُّلب.

مُخطئٌ- كائناً من يكون- إن سوّلت له نفسُه أن مصر عِزبةٌ، مُخطئٌ من يظنُّ أن معه تفويضاً يفعل به ما يشاء، مصرُ لا تحتمل كل هذه المجاملات، وإن أردت الإنذار الأمين فقُل لأولياء الأمور- بكل صراحة ووضوح- مصرُ لا تحتمل، والشعبُ لن يغفر القليل ولا الكثير من هذا التهريج.

دُعاءٌ وأذانُ الجمعة يرتفعُ فى كبد السماء: اللهم احفظنا من شرور أنفسنا، اللهم احفظنا من كيد عقولنا بنا، اللهم احفظنا من تآمرنا على ذاتنا، إنك على كل شىء قدير وبالإجابة جدير.

——–

نقلاً عن (المصري اليوم).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …