‫الرئيسية‬ أخبار وتقارير لماذا يتجاهل السيسي “معركة السويس” في ذكراها الـ45؟
أخبار وتقارير - أكتوبر 24, 2018

لماذا يتجاهل السيسي “معركة السويس” في ذكراها الـ45؟

تمر اليوم 24 أكتوبر الذكرى الـ45 لمعركة السويس، التي واجه فيها الشعب والجيش قوات الصهاينة بالمدينة الباسلة بعد ايام من انتصار اكتوبر، والتي قدمت ملحمة في التلاحم الشعبي للدفاع عن المدينة وتكبيد الجيش الصهيوني خسائر فادحة.

ذلك اليوم تحول لعيد قومي للمحافظة، ورغم أهميته وقيمته التاريخية يتجاهله نظام الانقلاب العسكري، بعد أن تغيرت عقيدة الجيش المصري من عداء الصهاينة إلى قتال المصريين وقتلهم بالطرقات والفيافي بتهم ملفقة تدور حول الإرهاب والعنف، والذي ينتهجه نظام السيسي بحق المصريين.

وبكل قوة يسعى السيسي لطمس معالم الانتصارات التي نجح الشعب المصري في تحقيقها لذلك يسعى لتحقير قدرات الجيش المصري في حرب أكتوبر ويعتبره عربية سيات بينما يرى أن جيش الاحتلال حينها كان عربية مرسيدس.

ويأتي التجاهل من قبل السيسي وانقلابه العسكري بهدف طمس قدرة الشعب المصري على فعل شيء ذي قيمة وتشويه قدراته وإرادته التي قدمت الأفعال العظيمة في حرب أكتوبر وفي ثورة يناير 2011 وكذا في تحرير مدينة السويس من الصهاينة في 1973.

بجانب العلاقات الحميمية التي أدخل السيسي مصر فيها مع أصدقائه الصهاينة، الذين دعموا انقلابه بكل قوة، من قبل أن يبدأ في 2013.

ويعتبر الصهاينة السيسي كنزا استراتيجيا في ظل ما يقدمه لهم من خيانات للأمة العربية والاسلامية، في صفقة القرن التي تنهي القضية الفلسطينية من جذورها، وكذا التضييق على حركات المقاومة في غزة التي يحاصرها السيسي أيضا مع الصهاينة.

كما أن تجاهل السيسي لملاحم الانتصار في أكتوبر وفي غيرها ، يقصد به إيهام الشعب أنه عاجز وغير قادر على فعل أي تغيير وأنه هو وحده المخلص للشعب.. وليس الشعب وهي فلسفة عسكرية تتبناها نظم القمع.

معركة الشعب

ومعركة تحرير السويس دارت بين جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش المصري وأفراد من المقاومة الشعبية في مدينة السويس المصرية يومي 24-25 أكتوبر عام 1973. وكانت آخر معركة كبرى في حرب أكتوبر، قبل سريان وقف إطلاق النار. في 23 أكتوبر مع وصول وشيك لمراقبي الأمم المتحدة، قررت إسرائيل اقتحام السويس، على افتراض أنها ستكون ضعيفة الدفاعات. أوكلت المهمة إلى لواء مدرع وكتيبة مشاة من لواء المظليين، ودخلت المدينة دون وجود خطة للمعركة. تعرض اللواء لكمين وتعرض لخسائر كبيرة، كما تعرضت قوات المظليين لنيران كثيفة والعديد منهم أصبحوا محاصرين داخل المبانى المحلية.

وبحسب المراجع العسكرية، في فجر يوم 23 أكتوبر انتهكت إسرائيل قرار مجلس الأمن رقم 338 الصادر في 22 أكتوبر 73 بوقف اطلاق النار، فقد تقدمت الفرقتان المدرعتان بقيادة الجنرالين ابراهام أدان وكلمان بموافقة القيادة الجنوبية الإسرائيلية، جنوبا في اتجاه السويس، وأصبح من الواضح أن اسرائيل مصممة على تحقيق أهدافها التي لم تتمكن من تحقيقها قبل وقف اطلاق النار، بسبب المقاومة المصرية الباسلة، وهي عزل مدينة السويس واحكام الحصار حول الجيش الثالث الميداني شرق القناة، لاستخدام ذلك كورقة رابحة في يدها للمساومة بها خلال المحادثات التي كان من المنتظر عقدها بينها وبين مصر وفقا لقرار مجلس الامن الدولي رقم 338.

خطة الصهاينة

أصدر الجنرال أدان أمرا لقواته بالهجوم على مدينة السويس في صباح يوم 24 أكتوبر وفقا للخطة التالية:

لواء جابي: يتم دخول السويس من اتجاهين: من اتجاه الغرب على محور طريق القاهرة السويس، ومن اتجاه الجنوب الغربي على محور طريق الزيتية السويس، وتندفع القوتان الى وسط المدينة.

لواء آريين: يدخل السويس من اتجاهين: اتجاه الشمال (طريق الجنانين) ومن اتجاه الشمال الغربي، على أن يكون مجهود الرئيسي على اليمين بموازاة طريق القاهرة السويس، وكانت تتبع لواء آرييه من المظليين بقيادة المقدم يوسي. وكان على قوات آرييه الالتقاء بقوات جابي عند وسط المدينة. ولتأمين المدينة عقب اقتحامها بالدبابات الإسرائيلية، تم تخصيص كتيبتي مشاة من لواء دوفيك تماري لكي تتبع الدبابات على طريق القاهرة-السويس للقيام بعملية التطهير.

وكانت الخطة تقضي بأن يتم معاونة هجوم لواءي جابي وآرييه بقصف مدفعي كثيف، وأن تتبعه في الحال ضربة جوية مركزية ضد مراكز المقاومة داخل السويس. وكان على لواء نيتكا ولواء دوفيك تماري (عدا كتيبتين) أن يواصلا عملية تطهير الحزام الاخضر بين الشلوفة والسويس.

وكان الإسرائيليون على ثقة بأن قواتهم المدرعة لن تلبث أن تقتحم السويس دون أي مقاومة، وأن عملهم سوف يخفق على مبنى المحافظة خلال بضع ساعات من بدء الهجوم، إذ إن السويس- حسب معلوماتهم – كانت خالية من القوات العسكرية إلا من بعض الجنود الشاردين الذين التجأوا اليها عقب المعارك الاخيرة، وكانت روحهم المعنوية بالطبع ضعيفة. ولذا اعتقد الجنرال أدان انه سيتوج زحفه الناجح غرب القناة بدخول السويس التي سيكون لسقوطها دوي سياسي هائل على المستوى العالمي، مما سيحقق له شهرة واسعة ومجدا ذائع الصيت.

وكان على يقين بان دخولها سيكون صورة مماثلة لدخول بئر السبع خلال حرب عام 1948. ولم يكن يخطر على بال الجنرال أدان أن مدينة الأشباح كما كانت عناصر استطلاعه تسميها قد تحولت بفضل تلاحم الجيش مع الشعب الى قلعة حصينة ، وأن قواته المدرعة ستواجه ستالين جراد أخرى.

وكانت السويس – من وجهة النظر العسكرية- بعيدة تماما عن خطر التعرض لاي غارة اسرائيلية بعد أن نجحت القوات المصرية ذلك النجاح الساحق يوم 6 أكتوبر،وتمكنت من عبور قناة السويس، واجتياح خط بارليف وانشاء منطقة حصينة من رؤوس الكباري شرق القناة تكسرت أمام صلابتها وقوتها جميع الهجمات الاسرائيلية المضادة.

ونتيجة لهذا الوضع لم تتخذ بشأن الدفاع عن المدينة أي تدابير عسكرية شاملة ، فلم توضع خطة مرسومة لمواجهة أي غزوة محتمل، ولم تخصص قوات كافية للدفاع عن مرافق المدينة ومنشآتها الهامة، ولم يعين قائد عسكري للسويس الا بعد أن تعرضت فعلا للغزو. فقد صدر الأمر بتعيين المستشار العسكري للمحافظة قائدا عسكريا لها مساء 23 أكتوبر. ورغم كل الظروف الصعبة التي واجهتها السويس عندما وجدت جيش الغزاة يحيط بها من كل جانب، استطاع شعبها الباسل باسلحته البدائية وبفضل التحامه بقواته المسلحة أن يصد تلك الجحافل المدرعة الفتاكة التي انطلقت يوم 24 أكتوبر تخترق شوارع المدينة.

الموقف في السويس

كان معظم سكان مدينة السويس قد تم تهجيرهم الى خارج المحافظة منذ أن بدأت معارك حرب الاستنزاف عام 1968 ، ولذا لم يكن داخل المدينة عند نشوب حرب أكتوبر 1973 سوى عدد قليل لا يتجاوز خمسة آلاف فرد كان معظمهم من الجهاز الحكومي ورجال الشرطة والدفاع المدني وموظفي وعمال شركات البترول والسماد بالزيتية.

ونتيجة للعبور الاسرائيلية الى غرب القناة ليلة 15/16 أكتوبر وتقدم الجنرال ابراهام أدان على راس فرقته المدرعة يوم 19 أكتوبر في اتجاه الجنوب على محور طريق المعاهدة بدات السويس تستقبل اعدادا غفيرة من مواطني القطاع الريفي في محافظة الاسماعيلية، ثم محافظة السويس في الفترة من 19 إلى 23 أكتوبر الذين قدموا مشيا على الاقدام هربا من زحف المدرعات وقصف الطيران الإسرائيلي. وتمكنت السلطات المسئولة في السويس وتدبير وسائل اعاشتهم. وخلال يومي 22 و23 أكتوبر، وفدت مجموعات كبيرة من افراد القوات المسلحة الى السويس بلغ مجموعهم حوالي 5000 ضابط وجندي كان معظمهم من بقايات الوحدات الادارية ومؤخرات الوحدات التي عبرت الى شرق القناة، وكذا بقايا بعض وحدات الجيش الثالث التي كانت تشكل جانبا من احتياطيه التعبوي غرب القناة والتي سبق لها خوض معارك تعطيلية عنيفة ضد القوات المدرعة الاسرائيلية.

وعندما أصبح قرار وقف اطلاق النار نافذ المفعول في الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين مساء يوم 22 أكتوبر واستمرت القوات الاسرائيلية في زحفها نحو الجنوب غير مكترث بالقرار رقم 338 الصادر من مجلس الامن حتى تمكنت في ظل وقف اطلاق النار من اغلاق جميع الطريق المؤدية الى الشمال والغرب والجنوب، لذا اضطرت تلك المجموعات العسكرية المصرية الى اللجوء الى مدينة السويس تجنبا للوقوع في الاسر، وكان افرادها مسلحين بالاسلحة الخفيفة فقط من بنادق آلية ورشاشات. وسبب وصولهم الى السويس فجاة ارتباكا لدى المسئولين في المدينة ، ولكن الجهود الصادقة التي بذلك ذللت جميع المشكلات وامكن تدبير اماكن اقامتهم في المساكن الخالية خاصة في حي الاربعين، وكذا توفير وسائل اعاشتهم. وكان وصول هؤلاء العسكريين من حسن حظ السويس، فقد أدوا دورا مهما في الدفاع عن المدينة.

وجاء يوم 23 أكتوبر ليحمل في طياته الى السويس اسوأ النذر، فقد قامت الطائرات الاسرائيلية ظهر ذلك اليوم بغارات وحشية على شركة النصر للأسمدة، مما اشعل الحرائق في كثير من اقسامها واصاب القصف الجوي ايضا مبنى الثلاجة الرئيسية على طريق عتاقة، وأصيبت مناطق عديدة في الادبية باضرار جسيمة ، كما اصيبت نقطة مرور العوبيد ومحطة بنزين شركة مصر للبترول على مدخل السويس من ناحية طريق القاهرة السويس.

حصار خانق

ولم تكتف القوات الاسرائيلية بالحصار البري الذي ضربته على السويس بقطع كل الطرق المؤدية اليها، ولا بالحصار البحري بقطع الطريق المائي المؤدي الى الخليج والبحر الاحمر، بل عمدت الى توجيه اقسى أساليب الحرب النفسية ضد سكانها وبغير شفقة أو رحمة بقصد ترويعهم والضغط على أعصابهم لحملهم على التسليم. ولهذا تم لها قطع ترعة السويس المتفرعة من ترعة الاسماعيلية والتي تغذي المدينة بالمياه الحلوة، كما دمرت شبكة الضغط العالي التي تحمل التيار الكهربائي من القاهرة الى السويس، وقطعت بعد ذلك أسلاك الهاتف التي تربط المدينة بالعالم الخارجي. وكانت القيادة الاسرئايلية على يقين بان اهل السويس سوف يقابلون دباباتها ومدرعاتها بالاعلام البيضاء حال ظهورها في الشوارع بعد أن أصبحوا في هذه الظروف المعيشية التي لا يمكن لبشر أن يتحملها، فلا مياه ولا طعام ولا كهرباء ولا معدات طبية أو أدوية للمرضى والمصابين، ولا اتصالات هاتفية مع الخارج.

وفضلا عن ذلك ركزت مدفعيته قصفها العنيف على أحيائها السكنية، وانطلقت طائراها تملأ سماء المدينة لتصب على مرافقها ومنشآتها الحيوية وابلا من صواريخها لتشعل في المدينة النار والدمار، وليخر تحت قصفها المدمر مئات من الشهداء وآلاف من الجرحى، حتى ضاق المستشفى العام بالجرحة والمصابين ، وأصبحوا لفرط الازدحام يوضعون على الارض في طرقات المستشفى ، وكان الهدف من هذه الحرب النفسية الشرسة هو اقناع الجميع في السويس بانه لا جدوى من المقاومة، وأن الحل الوحيد للخلاص من كل متاعبهم هو الاستسلام للغزاة.

إستعداد السويس للمعركة

كان أول نبأ رسمي يصل الى بدوي الخولي محافظ السويس وقتئذ عن التحركات الاسرائيلية حول المدينة هو التبليغ الهاتفي الذي تم تلقيه عن طريق العقيد فتحي عباس مدير مخابرات جنوب القناة في الساعة الخامسة والنصف مساء يوم 23 أكتوبر. فقد ابلغه ان الدبابات الاسرائيلية وصلت الى منطقة شركات البترول بالزيتية وأنها في طريقها الى منطقة الأدبية. وبناء على دعوة المحافظ انعقد مؤتمر عسكري بالمحافظة في الساعة السادسة مساء راسه المحافظ وحضره اللواء محيي خفاجي مدير أمن السويس والعميد عادل اسلام المستشار العسكري للمحافظة والعميد كمال السنهوري قائد محطة السويس العسكرية وقائد كتيبة الدفاع الاقليمي، لبحث اجراءات الدفاع عن المدينة وتأمين مداخلها والاستعانة في ذلك بالقوات العسكرية التي قدمت أخيرا إلى المدينة وقات الدفاع الشعبي. ورغم الظروف العصيبة التي كانت تواجه السويس، كان الامل ما يزال قويا في قهر العدوان الذي أوشك أن يطبق على المدينة. فلقد كان من بين مواطنيها فتية آمنوا بربهم ووطنهم وصمموا على الدفاع عن مدينتهم الخالدة حتى أخر رمق في حياتهم.

وكانت قوات الدفاع الشعبي تتكون من منظمتين، احداهما تدعى منظمة سيناء، وقد تكونت عقب حرب يونيو 67 وانضم اليها عدد من أبناء السويس وتلقوا تدريبا خاصا عن طريق مكتب المخابرات الحربية في السويس للقيام ببعض العمليات الحربية خلف خطوط العدو. أما المنظمة الثانية، فتدعى فرق حماية الشعب، وقد أنشئت تحت اشراف لجنة الدفاع الشعبي بالتنظيم السياسي بالسويس وقتئذ للقيام بأعمال الدفاع والحراسات في حالات الطوارئ.

وبناء على تعليمات المستشار العسكري للمحافظة، اجتمع ظهر يوم 21 أكتوبر في مدرسة أحمد عرابي نحو 150 فردا من فرق حماية الشعب، وتم لمندوب المستشار العسكري اختيار 50 فردا منهم، وتم تسليحهم بالبنادق، على أن يبقى الباقون كاحتياطي تحت الطلب، وقسم هؤلاء الى مجموعتين تتناوبان الحراسة في منطقة المثلث عند مدخل المدينة بهدف الحراسة والعمل كنقطة انذار للابلاغ عن تحركات العدو. وفي مساء يوم 23 أكتوبر وعقب حصار المدينة، كلف العقيد فتحي عباس مدير مخابرات جنوب القناة بعض شباب منظمة سيناء بواجبات دفاعية وزودهم ببعض البنادق والرشاشات ووزعهم في أماكن مختلفة داخل المدينة بعد أن أبقى بعضهم كاحتياطي في يده تحسبا للطوارئ.

الدفاع الشعبي

وكانت هناك مجموعة من الابطال الذين ينتمون لمنظمة سيناء لم يهدأ لهم بال ولم يغمض لهم جفن طوال ليلة 23/24 أكتوبر. فقد خططوا لعمل عدة كمائن على مدخل السويس لملاقاة العدو. ولكن نظرا لضعف امكانتهم، فقد اتفقوا على الاكتفاء بعمل كمين عند ميدان الاربعين وآخر عند مزلقان الشهداء. وكانت المشكلة الرئيسية التي واجهتهم هي البحث عن السلاح المؤثر ضد الدبابات من المدى القصير والذي يصلح لقتال الشوارع وهو القاذف RPG 7. وهداهم التفكير الى التوجه الى مخزن السلاح بالطابق الارضي بالمستشفى العام الذي تحفظ فيه أسلحة الجنود الجرحى والشهداء عسى أن يجدوا داخله بغيتهم. وكان من ضمنهم البطلان الشهيدان ابراهيم سليمان واحمد أبو هاشم. وعندما اعترضهم المخزنجي خوفا على عهدته فتحوا المخزن عنوة، وكانت فرحتهم الكبرى حيثما عثروا على قاذف RPG 7 وثلاث قذائف.

المعركة

لم تنم المدينة الباسلة وظل جميع أبنائه ساهرين طوال الليل في انتظار وصول الاعداء. وعندما نادى المؤذن لصلاة الفجر اكتظت المساجد بالناس. وفي مسجد الشهداء بجوار مبنى المحافظة، أم المصلين الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الاسلامية وعقب الصلاة ألقى المحافظ بدوي الخولي كلمة قصيرة وأوضح فيها للناس أن العدو يستعد لدخول السويس، وطالبهم بالهدوء وضبط الأعصاب، وأن يسهم كل فرد بما يستطيعه، واختتم كلمته بالهتاف “ألله أكبر” وارتفع الدعاء من أعماق القلوب الى السماء.

وابتداء من الساعة السادسة صباحا بدأت الطائرات الاسرائيلية في قصف احياء السويس لمدة ثلاث ساعات متواصلة في موجات متلاحقة وبشدة لم يسبق لها مثيل. وكان الغرض هو تحطيم أي مراكز للمقاومة داخل المدينة والقضاء على أي تصميم على القتال لدى أهل السويس.

وتنبه افراد المقاومة الى ظاهرة مهمة، وهي أن الطائرات في اثناء هجماتها الشرسة تتجنب اصابة الشوارع الرئيسية في المدينة والتي تمثل امتداد المحاور الثلاثة التي اعتزم العدو التقدم عليها بمدرعاته وهي:

محور المثلث: وهو المدخل الغربي من ناحية الطريق الرئيسي القادم من القاهرة الى السويس، وامتداده هو شارع الجيش الى ميدان الاربعين.

محور الجناين: وهو المدخل الرئيسية من ناحية طريق القناة القادم من الاسماعيلية، ويمر وسط مساحات شاسعة من حدائق الفاكهة ويعبر على الكوبري الذي فوق الهويس ويتجه جنوبا الى شارع مصطفى كامل ومنه الى ميدان الاربعين.

محور الزيتية: وهو المدخل الجنوبي من ناحية طريق الأدبية وعتاقة، ويمتد بحذاء خليج السويس حتى الطريق المؤدي الى بورتوفيق.

وجاءت أول طلائع الإسرائيلية عندما قامت كتيبة مدرعة من لواء العقيد آرييه بالتقدم على محور الجناين في الشمال في حوالي الساعة التاسعة والنصف صباح يوم 24 أكتوبر. وعندما حاولت سرية المقدمة عبور الكوبري الذي فوق الهويس للوصول الى شارع مصطفى كامل، تصدى لها كمين قوي من رجال القوات المسلحة وأطلق صواريخه المضادة للدبابات فأصيبت الدبابة الأولى وتعطلت فوق الكوبري الضيق مما أدى الى استدارة باقي الدبابات الى الخلف حيث تجمعت في منطقة جبلاية هاشم شمال غرب الهويس، ولم تقم هذه الكتيبة بأي محاولات أخرى للتقدم من هذا المحور.

وفي حوالي الساعة العاشرة صباحا، قامت كتيبة مدرعة من لواء العقيد جابي بالتحرك من منطقة الزيتية، واجتازت ببطء الطريق المحاذي للخليج حتى وصلت الى منطقة المحافظة دون أن يتعرض لها أحد، وانتشرت في عدة مجموعات ما بين قصر الثقافة وغرفة عمليات المحافظة وميدان الخضر وفندق بلير، وسيطرت الدبابات من امكنتها على شارع الكورنيش وشارع سعد زغلول ووقفت دبابة على ناصية فندق بلير انتظارا لرتل الدبابات الذي سيتقدم على محور المثلث ويخترق بعد ذلك طريق الجيش.

الفخ

وفي حوالي الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين صباحا، وبعد النجاح الذي حققته الكتيبة المدرعة التي سيطرت على منطقة المحافظة دون أي مقاومة بقيادة المقدم يوسي في عربات مدرعة نصف جنزير في ثلاث موجات كل موجة كانت تتكون من 8 دبابات وكل دبابة منها تتبعها عربة مدرعة، وكانت هذه القوة هي التي اختيرت لتكون المجهود الرئيسي للهجوم على السويس. وعبرت القوة المدرعة منطقة المثلث، وأخذت تجتاز طريق الجيش في ثبات وتؤدة، وقد بلغت ثقة الاسرائيليين بعدم تجرؤ أحد من أهل المدينة على مقاومتهم الى الحد الذي جعل قادة الدبابات يقفون جميعا ليطلوا من أبراج دباباتهم المفتوحة للفرجة على الشوارع التي يمرون من خلالها. ووصلت الموجة الأولى الى ميدان الاربعين دون أن تصطدم بأي مقاومة. وأطلق محمود عواد من طاقم الكمين الأول من منظمة سيناء قذيفتين من قاذفه الصاروخي آر بي جي على الدبابة الأولى فأصابتها القذيفة الأولى باصابة سطحية، بينما طاشت القذيفة الثانية. وأسرع الكمين الثاني الذي كان يتكون طاقمة من أفراد منظمة سيناء أيضا ليأخذ موقعه عند سينما رويال، وأمسك البطل ابراهيم سليمان بالقاذف آر بي جي 7، وجلس القرفصاء بجوار المخبأ الذي كان يقع بين سينما رويال وسينما مصر، وطلب من زميله محمد سرحان أن يعد له القذيفة. وعندما أصبحت الدبابة الأولى التي تتقدم الرتل على بعد حوالي 12 مترا من موقعه صوب ابراهيم سليمان القاذف بدقة نحوها وضغط على الزناد لتنطلق القذيفة وتستقر أسفل برج الدبابة التي اختل توزانها وتوقفت ومالت ماسورة مدفعها على الارض.

ابراهيم سليمان

وانتقل ابراهيم سليمان الذي كاد يطير فرحا الى الجانب الآخر من المخبأ ليطلق القذيفة الثانية على العربة التي كانت تتبع الدبابة والتي كان يستقلها أفراد المظليين فاشتعلت فيها النار. وكانت هذه اللحظات القصيرة هي نقطة التحول في المعركة. ففي الوقت الذي توقفت فيه مدرعات الموجة الأولى أمام قسم شرطة الأربعين بتأثير المفاجأة، خرجت آلاف حاشدة من الجنود والمواطنين الى الميدان والشوارع المحيطة بقسم الشرطة، وهم يهتفون في حماسة “ألله أكبر .. الله أكبر”. وأخذوا في اطلاق نيران بنادقهم ورشاشاتهم على أطقم الدبابات، بينما ألقى البعض بقنابله اليدوية داخل أبراج الدبابات التي أخذت تنفجر ويشتعل بعضها بالنار حتى تحولت المنطقة الى قطعة من الجحيم.

ولم يلبث الاسرائليون أن قفزوا من الدبابات والعربات المدرعة، وهم في حالة عارمة من الذعر والارتباك، وأسرعوا في مجموعات يحتمون ببعض المباني المجاورة لقسم الشرطة. وحاول بعضهم الدخول الى سينما رويال ولكنهم ضربوا عند مدخل السينما، ونجحت مجموعة اسرائيلية تتكون من 25 فردا في دخول قسم شرطة الأربعين، واستطاعوا بنيران رشاشاتهم السيطرة على القسم الذي كان يتكون من طابقين وتحيطه سواتر عالية مبنية بالطوب الأحمر، وكان في داخله عدد من ضباط الشرطة والجنود. وتمكن خمسة جنود اسرائيليين من الصعود الى أسطح بعض العمارات وأخذوا في اطلاق نيران رشاشاتهم على المواطنين.

وعندما أبصرت دبابات الموجتين الثانية والثالثة ما لحق بمدرعات الموجة الأولى من فتك وتدمير، حاولت الاستدارة الى الخلف في ارتباك شديد للعودة الى منطقة المثلث. ونظرا لضيق الشارع اصطدمت بعضها بالبعض وحطم بعضها سور السكة الحديدية الممتد بحذاء الشارع. وكانت أربع دبابات قد تسللت خلف مسجد سيدي الأربعين من ناحية المثلث، فتصدى لها كمين من الفرقة 19 مشاة بقيادة المقدم حسام عمارة كان مرابطا على شريط السكة الحديد وأطلق عليها صواريخه وأجبرها على العودة.

وأثناء عودة دبابات الموجتين الثانية والثالثة عبر طريق الجيش للخروج من المدينة، خرجت حشود ضخمة من الجنود والمواطنين من البيوت المهدمة على طول الشارع، وأخذوا يطلقون نيران بنادقهم ورشاشاتهم ويقذفون الدبابات بالقنابل اليدوية وزجاجات المولوتوف الحارقة وهي تفر أمامهم كالفئران المذعورة.

وقد اعترف الجنرال جيرزوج – رئيس دولة اسرائيل الاسبق – في كتابة حرب التكفير أن الكتيبة المدرعة التي دخلت السويس من ناحية المثلث وكان عدد دباباتها 24 دبابة قد قتل أو جرح عشرون قائد دبابة من قادتها الاربعة والعشرين.

وكان الامر الذي يدعو الى الدهشة ان الكتيبة المدرعة المتمركزة في منطقة المحافظة لم تحاول التدخل مطلقا في معركة قسم الاربعين وظلت في أماكنها. وقد حاولت خمس دبابات منها التقدم على طريق بورتوفيق، ولكن الدبابة الأولى اصطدمت بلغم مضاد للدبابات فقطع جنزيرها وتوقفت الدبابات الأربع الأخرى، وعادت إلى موقعها بمنظمة المحافظة بعد أن سحبت الدبابة المعطلة. وأثناء المعركة كلف المحافظ الملازم الأول عبد الرحيم السيد من الفرقة 19 مشاة بالتوجه الى دبابات العدو التي تحاصر المحافظة. ولكن الكتيبة المدرعة في منطقة المحافظة لم تلبق ان انسحبت فور حلول الظلام، وعادت الى الزيتية متبعة نفس الطريق الذي تقدمت عليه في الصباح.

وهكذا انتصر شعب السويس في معاركه سواء في الزيتية او في معركة قسم شرطة الأربعين…ليندحر الاختلال الصهيوني الذي يعيده السيسي وانقلابه الى مصر مجددا بخياناته لوطنه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إعلان وفاة.. هل أتم الصهاينة سيطرتهم على الجامعة العربية؟

ربما يعلم العدو الصهيوني أن كلمة واحدة تخرج من على منبر جموعي واحد، تفعل ما لا تفعله مئات …