‫الرئيسية‬ مقالات التربية السياسية يلزمها تربية نفسية وخلقية
مقالات - ديسمبر 30, 2019

التربية السياسية يلزمها تربية نفسية وخلقية

يُقصد بـ«التربية السياسية» الخبرة بأمور الحكم ومسائل الأحزاب والجماعات السياسية، وهذا النوع من التربية يلزمه الإلمام بعديد من الخبرات الأخرى، منها التربية النفسية والتربية الخلقية؛ هذا بالنسبة لـ«الإسلاميين» الذين تختلف «سياستهم» عن سياسة الآخرين؛ فعند البعض «الغاية تبرر الوسيلة»، وعندهم استحلال الكذب والغش؛ فمن هنا اعتبر كثيرون أن «السياسة نجاسة» وأنها «وحل»، والحقيقة أن «النظرية السياسية الإسلامية» تحرِّم كل هذا، وتدعو إلى التطهر من كل هذه الأرجاس التى صارت عُرفًا متوارثًا عند الكثيرين.

وإذا كان ثمة شباب من «الإسلاميين» قد قلدوا الآخرين فى سلوكهم السياسى -بحكم الزمالة ومرحلة السن والظرف العام-؛ فهذا لجهلهم بأصول التربية السياسية الإسلامية، ولخفة فى طبعهم جعلتهم يخوضون فى الأعراض، ويبررون الأخطاء، ويعيبون الصغير والكبير، ويظنون بالناس الظنون؛ على خلاف القواعد المرعية عند تعامل المسلم مع (الآخر)، ولو كانوا خصومًا سياسيين؛ فالمسلم لا يجرِّح شخصًا ولا هيئة، ولا يكذب، ولا يغش، ولا يمارى فى جدال، ولا ينقض عهدًا، ولا يبادر باعتداء.

وليس فى «سياسة الإسلام» انتقاص لـ«الآخر» ولا استعلاء عليه، بل هناك احترام وتقدير إلى أقصى حدود المسموح ما لم يقع تفريط فى ثابت، أو إلحاق ظلم بطرف آخر؛ فإذا كان «الآخر» ممن لا يقدر هذا الخلق فأنا فى مأمن منه لما أرساه عمر: «لستُ بالخب وليس الخبُّ يخدعنى»، وأنا على يقين أيضًا بأنى لست وحدى فى هذا العالم، بل يشاركنى فيه آخرون ليس شرطًا أن يقتنعوا بمعتقدى ولو كان هذا المعتقد وحى السماء ورسالة خاتم الأنبياء.

ما ألاحظه لدى قلة من شبابنا؛ هو اندفاع غير مبرر يبدو واضحًا فى مبادلة الآخرين الاتهامات، وخلق معارك ضارة بالجميع، فضلاً عن العجلة فى تكوين الآراء، وعدم قراءة ما بين السطور، وهو فى عالم السياسة ألزم من أى مجال آخر، والجهل بالتاريخ وبالخريطة السياسية، والاغترار بمظاهر خادعة واتخاذها مقياسًا للحكم على الأمور، لا سيما ما يكون فى «العالم الافتراضى»، بالإضافة إلى قلة الصبر وعدم دراسة مصائر من كانوا قبلنا؛ ما أنتج ضيق النفس، واستطالة الوقت، والعجلة فى اقتطاف الثمرة.

وفى دراسة سيرة النبى -صلى الله عليه وسلم- بشكل متأنٍ استيعابٌ لكل قواعد السياسة كما أرادها المعصوم لأتباعه، وبما يضمن التعايش مع الجميع بشكل حضارى وفى جو مشحون بالأمن والسلام؛ ففى الأيام الأولى بعد هجرته -صلى الله عليه وسلم- وضع ما عُرف بـ«وثيقة المدينة»، لمجتمع متعدد المذاهب والأعراف، وهى ما يُتفق على أنها دستور عصرى فى المواطنة ضمنت «الحرية والمشاركة والمساواة»، ثالوث المواطنة المعروف.

وقسْ على ذلك مواقفه -صلى الله عليه وسلم- من قبلُ فى مكة، وقد قضى بها ثلاثة عشر عامًا سارًّا بالدعوة ثم معلنًا بها، متغلبًا على صعاب تليق باحتمال وصبر نبى خاتم، ورغم ذلك خرج منها بأقلِّ الخسائر السياسية مقياسًا على ما أنجزت دعوته وما حقق صحابته ومن تبعهم من بعده.

ويمكن تلخيص بعض هذه «القواعد الإسلامية» فى تغليب العقل على العاطفة، وضبط الانفعالات، وانظر- إن شئت- موقفه يوم الحديبية ويوم فتح مكة، ومن قبلهما يوم أحد؛ إذ أخرجه الشباب مرغمًا فكان ما كان فى ذلك اليوم العصيب، ويوم الحديبية إذ اتفق مع المشركين على أمور أوجدت عليه المسلمين، وعلى رأسهم الفاروق؛ إذ رأى -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا عن العاطفة والحماس اللذين ملكا الأصحاب أن هذه الأمور فى مستقبلها الخير لهم وإن بدت غير ذلك، وأنه -صلى الله عليه وسلم- وهو الموحَى إليه وصاحب الخبرة الأكبر قد استشرف بثاقب نظره ذلك الخير، الذى لم يمض عام حتى قطف المسلمون ثمرته.

ومن تلك القواعد مراعاة الصالح العام، وتقديمه على سائر المصالح؛ والصالح العام هو صالح الدين أولًا، ثم صالح الوطن، يعقبهما صالح الانتماء، أيًّا كان؛ وهذا لا يكون إلا بمد حبال الوصل بالجميع، على درجات، والقصد فى الحب والكره، ففى الحديث «أحببْ حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغضْ بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما».

وعليه؛ فالمسلم مع دعوات الاصطفاف و«الائتلاف» و«الاتحاد» ما دامت تنصر حقًّا، وتعين مظلومًا وتكبت ظالمًا، ومع «السلم» و«التهدئة» و«الاتفاق» ما دامت تمنع إراقة الدماء وهتك الأعراض وسائر المخازى- لكنه يأنف من كل ذلك إن كانت على حساب دينه، داعية إياه إلى تمييعه أو التفريط فى ثوابته وأركانه؛ فما دُعِىَ النبى -صلى الله عليه وسلم- إلى واحدة منها إلا أجاب، إلا أن تمس الشرع فهو أبعد الناس عن ذلك. وهذا ديدن الأنبياء جميعًا؛ فما من أحد منهم إلا دعا قومه إلى كلمة سواء؛ فمنهم من أجاب -ولو بعد حين- ومنهم من لم يجب، فكانوا –صلوات الله عليهم- يبدِّلون الوسائل ويغيِّرون الدعايات، وفى النهاية كتب الله النجاة لبعض وأنزل العذاب بآخرين.

أما أخطر ما يبعد الشباب عن نهج الإسلام فى «التعامل السياسى» فهو اليأس؛ ذلك المرض العضال الذى ينتج عقب الهزائم والانكسارات فيدفع صاحبه إلى التفريط ومجاوزة الحد، وإلى النظر تحت قدميه رافضًا الخروج من تلك الحالة البئيسة، ولعل موقف أنس بن النضير -رضى الله عنه- يوم أحد يخلد ذكره ما بقيت أرضٌ وسماء؛ فقد انتهى إلى عمر وطلحة فى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قُتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

غياب الفقه.. بين زهو العلماء وشطط الأتباع

في حوالي العام 2005 وبعد صلاة عشاء أحد الأيام جلست لسماع “بيان” – وهو مو…